Tuesday, February 19, 2013

معضلة الانتماء

"ولكنّك سرعان ما تفيقين
على صوت المعلّمة يذكّرك منذ أول الصباح
بأن ترسمي خريطة للوطن و تلوّنيها
وأن تحفظي ثرواته و توزّعيها
ولكن ليس هذا وطنك لترسميه و تحفظيه
فوطنك المفترض في شهادة ميلادك
طلبت منك المعلّمة أن تسبّيه"

 
المقتطف السابق من نثرية كنت كتبتها في 2009، قبل سفري المرتقب إلى كندا، أصف فيها أوائل وعيي بمراهقتي، وبعض مشاهد من أيامي بالمدرسة الإعدادية في طرابلس - ليبيا. المشهد المقتبس هنا حدث في عام 1990، إبان غزو العراق للكويت. كنا في حصة الجغرافيا نحفظ عن ظهر غيب وبالرسم التفصيلي توزيع الثروات المعدنية والمائية والنفطية لليبيا وأفريقيا، وكانت كراسة الواجب المنزلي خاصتي تحفة فنية برسوماتها وألوانها. عندما حدث الغزو، أخذت ليبيا جانب العراق، وأخذت مصر جانب الكويت، بل وأرسلت قوات عسكرية لنصرتهم، ولذا أصبح لزاما علينا في حصة الوعي القومي أن نصدح بموقف مناصر لموقف ليبيا، وبالتبعية مناهض لموقف "الدول المعادية"، ومن ضمنها مصر. كان كل طالب وطالبة مطالبين في إطار "الدرس" أن يقفوا ويكيلوا سيلا من الشتائم والانتقادات لتلك الدول المعادية. وهكذا، لأثبت ولائي المطلق للدولة التي علمتني وأكرمتني، كان عليّ أن أقف وأشتُم مصر وأنتقد موقفها الخائن لقضية العروبة.. كان الهاجس الأكبر عندي أن أنفي عن نفسي تهمة الانتماء لهذا البلد الخائن وأثبت الولاء لموقف بلدي الأصل ليبيا. وكان هذا سهلا بشكل لا يصدق. كان الانتماء لمصر بالنسبة لي حتى ذلك الوقت إسميا؛ لم أعش في مصر، ولم "أشرب من نيلها" كما تغنت شيرين، ولم أتمرغ في طيب ثراها وأتشبع من وهج تاريخها العريق. كانت مصر لي أرضا موعودة؛ يوما ما سأعود إليها لأجد الجنة بانتظاري والراحة من كل عناء واضطهاد وفقر. وحتى عندما كانوا يقولون لي في المدرسة أنها بلد الراقصات، تخوفت أني سأعود إلى ماخور، لا جنتّي الموعودة، ولكن الفكرة كانت أفضل من البقاء على أطراف أصابعي أحارب كل يوم لأرسخ انتمائي لبلد لا يعتبرني مواطنة أصيلة. ومع ذلك، وقفت وشتمت مصر. لا زلت أتذكر الحماس المحموم الذي كان ينتابني وأنا أهتف ضدها في الفصل مع زملائي، وكيف أن هذا كله تمثّل لي وقتها هراءً أحمق بلا معنى، ولكنه كان مع ذلك أمرا ضروريا حتى لا يترصدني أحد بزجاجة عصير حمراء يلقيها على مريولي اليتيم، كما حدث ذات مرة من زميلة مشفوعا بالسُّبّة الخالدة "يامصرية يافوّالة". ولَكَم كرهت الفول وامتنعت عنه بكل جوارحي حتى أنفي عن نفسي هذه التهمة "الحقيرة"..
عندما عدت إلى مصر أخيرا، ظللت أسبوعا كاملا في مدرستي فاقدة للنطق، أنظر بذهول لما حولي ومن حولي. الإيقاع سريع ولا يُحتمل، والصراع على النجاح في المدرسة شرس ومقيت. كنت أنظر حولي فأرى المحجبات في كل مكان، وأرى زميلاتي ينظرن لي في استهجان واستنكار عندما أتحدث عن أبناء خالتي الذين ألعب معهم. أسأل نفسي "أين الراقصات؟" ولا أجد إجابة. أرى عالما مزدحما خانقا مليئا بالضوضاء وقصور الثقافة التي لا بد لها من اشتراك والدروس التي لا ترحم أحدا. أرى هذا كله وأسأل نفسي: أين جنّتي؟ أين الفصل الهادئ الذي يحصل كل طالب فيه على الاهتمام والتقدير؟ أين كتبي التي تركتها ورائي في بيتي القديم؟ وعندما حصلت على أول زجر من مدرسة التاريخ عندما لم أستطع تذكر تسلسل الأسرات الفرعونية المرعب في طوله وتفاصيله كرهت التاريخ الفرعوني والمصري برمّته. أخذتني الدوامة وانخرطت في السباق المحموم، وإن ظللت أحتفظ باستقلالي عن التيه في دوامة الدروس الخصوصية. صرت أتفاخر بأني لم أعش في مصر ولذا لا أنتمي إليها: "أنا بلا انتماء أيها السادة! ما أروع هذا!" ثم أسأل نفسي: ما معنى الانتماء حقا؟ "يعني إيه انتماء؟"
ظل هذا السؤال يحيرني بين الحين والآخر، ولكني كنت مستمتعة بأن لا إجابة له وأنني أكون مميزة طالما بقيت هكذا "أنا بلا انتماء! الانتماء قيد وضعف! أنا إن وجب أن أنتمي فسأنتمي لله ثم للعمل!" وقد كان الطرح الأخير أحد الاتجاهات الحديثة في إيجاد صيغة عامة للانتماء تعلو فوق الانتماء للوطن الضيق وتخرج لرحابة الانتماء للدين والخالق، ثم لمبادئ العمل والاجتهاد، وربما الأصدقاء، ولكن أبدا ليس للأرض والوطن. ومرت الأيام وبدأت أفيق تدريجيا من صدمة التعليم الثانوي، حتى تخرجت من الجامعة وتم تعييني بالكلية التي درست بها. كان حماسي للعمل لا يحده شيء، وكنت أعمل وأعمل وأعمل متأملة أنني أقدم فائدة ولو بسيطة للطلاب وللكيان الذي أعمل به. ورغم أننا درسنا في كيان افتراضي ليس له مبنى على الأرض، إلا أن اعتزازنا بهذا الكيان كان يرقى للاعتزاز القومي. وحتى عندما مررنا بفترة صعبة من الإدارة التي لم تكن ترقى لطموحنا الذي كنا نحلم به للمكان، ظللنا نحلم بأن نعود له يوما ما وبيدنا القرار والصلاحيات لكي نصلح ما فسد فيه ونعلي من اسمه ومكانته بين الكيانات الجامعية الأخرى. وقتها فقط أدركت أحد معاني الانتماء؛ أن تشعر بأن المكان لك، ولك فيه حق لا يسقط بالتقادم أو الابتعاد. ولكن الأهم أن لك في المكان حلم، حلم تعتنقه كدين وتؤمن به بكل جوارحك وتؤمن بأنك قادر على تحقيقه مهما طال الزمن وبعدت الفرصة. أعدتُ النظر مِن حولي، وتأملت في حال بلادي. هل تستحق مني فرصة ثانية أعيد فيها أواصر الانتماء لِجَنَّة موعودة أخلقها أنا؟ كانت الصلة واهنة، ولم أكن أهتز لها طربا، ولكني أقنعت نفسي أنه من الضروري أن يكون لكل إنسان انتماء وطني إلى أرض ما، يراها مهد أحلامه ويصبو لأن يشيخ فيها بعد أن يعمرها بما استطاع من جهد وعمل. وقتها بدأت أقرأ نجيب محفوظ والحكيم وحسين هيكل، الذين كانت رواياتهم صميمة في مصريتها، فأردت أن أتعلم منها مفردات هذا البلد الذي أنتمي إليه بالمولد والعائلة ولا أشعر نحوه بالعاطفة والحب. أوغلتُ في القراءة عن حقب التاريخ المصري عَلَّني أشعر بذلك الوهج يضيء بداخلي. قرأت متفرقات عن المماليك دون أن أدرك بشكل كامل البعد التاريخي والسياسي لدولتهم؛ فقط بهرتني الأسماء والأحداث التي سبقت وعاصرت مذبحة القلعة. أحببت الآثار الإسلامية ورأيت فيها تجسيدا حسيا لأحداث التاريخ المصري، وانبهرت بالقاهرة الخديوية وقرأت سيرة الأسرة العلوية. قرأت قليلا في التاريخ القبطي، واطلعت في استحياء على بعض من التاريخ الفرعوني. كل هذا ولا شيء يتحرك فيّ ويهفو لهذا البلد. ارتبطت بأماكن في القاهرة وطنطا والمحلة كانت تعبق بروائح ذكريات أحبها، ولكن مجموعها لم يساو الكل الوطني. سمعتُ بوجوب الانتماء للدين أولا قبل الوطن وسخافة الترسيمات الحدودية بين أقطار الأمة العربية، وأعجبتني الفكرة، ولكني لسبب ما رأيت أنها ناقصة. نعم الانتماء للدين فقط وإعلاؤه على كل ما هو سواه فكرة ناقصة، لأنها تعني أن تنتمي لمليار ونيف نسمة على وجه البسيطة لا يربطك بهم إلا العقيدة؛ لا أرضَ تجمعهم ولا بعدَ مكانيّ يَحُدُّهم، ولوجب أن يكون من السهل عليّ في ليبيا أن أنتمي دونما خوف من اضطهاد جذوري المصرية. وما معنى أن أنتمي لديني بالأساس؟ أهو أن أعيش فيه أم أن أعتنقه أم أن أنصره على ما سواه؟ الدين ليس مكانا؛ الدين فكرة يعتنقها العقل عن اقتناع، ولنصرة الدين لا بد أن يكون في خطر، وأن يكون له أعداء، وأنا لم أر أعداء لديني أشد من معتنقيه، الذين لا يتحركون إلا بالصياح إذا ما سمعوا بما يمس "الدين" الذي هو لهم أصل الانتماء. ثم أنا لا أرى أنهم يعتزون مثلا بإسلام الأفارقة، ودوما ما كنتُ أُصدم بالنظرة العنصرية لهم، ما يهدم الفكرة من أساسها. ثم سمعتُ بوجوب الانتماء للعروبة والقومية العربية، والانتماء للعروبة أمر جميل وله امتداد جغرافي ملموس على الأرض يعد بالقوة والنماء إذا ما كان استثمار الانتماء العروبي صادقا، ولكن لا أحد يسعى حقا للتوحد خلف لواء العروبة؛ المصريون يحبون أنهم فراعنة، واللبنانيون يحبون أنهم فينيقيون، والمغاربة يحبون أنهم برابرة وأمازيغ، واليمانيون يحبون أنهم حِمْيَرِيُّون، وهكذا دواليك. سمعت بعدئذ بالانتماء الوطني، الذي يلتزم بالحدود التاريخية للقطر، وكان السياق منطقيا لمصر، التي لم تتغير حدودها ذات البعد التاريخي كثيرا. أعلم أن الكثيرين يتباكون على أن عبد الناصر تسلم مصر من الملكية ومن ضمنها السودان وسيناء، ليفقد الاثنين، ولكن أيها القوم لقد كان اسمها "مصر والسودان"! هناك مصر، وهناك سودان! وحدتهما ربما كانت سياسية واقتصادية، ولكنها بالتأكيد ليست قائمة على شراكة لا تفصلها الحدود والتقاليد والتاريخ. حتى سيناء وغرب مصر، يغلب عليها الطابع القبلي الذي ليس أصيلا في السمات المصرية - وأنا هنا لا أمس فكرة وقيمة وحق المواطنة لكل مصري داخل حدود القطر. تبدت لي بعد هذا كله الفكرة التي خلاصتها أن انتماء مصر قد عبر عنه هيرودوت عندما قال أن مصر "هبة النيل". مصر هي حقا هبة النيل؛ يدين له ساكنوها بالحياة، ويمدون منه شرايين وبحيرات فرعية ليتمددوا ولو هونا خارج شريطه الطيني الثري بالخيرات، ويمتزج ذلك الطين بالأقدام والأيدي وأطراف الملابس في عناق محموم لا يفهمه - بل ويزدريه - "ولاد الناس النظيفة". خارج النطاق المكاني للنيل تجد القفر والحياة المجترحة من الرمل والصناعات الحديثة؛ حياة جافة كالرمل بها القليل من الروح التي تصارع لتحافظ على مصريتها. ولكن الروح المصرية الأصيلة عالقة بذلك الشريط الضيق حوله. الطين عالق بالجسد المصري لا يمحوه حتى الوضوء، بينما الرمل كينونة خفيفة لطيفة لا تعلق بشيء من الإنسان ولا يعلق بها الإنسان. الطين ناعم وحنون وطيب، والرمل خشن وقاس وجارح. لقد عشت في الرمل أول عمري، وها أنا اعيش في الطين الآن، ولذا أعرف الفرق جيدا. كنت أقرف من منظر الطين على أطراف الفلاحين ومن اتساخ ملابسي به، والآن لا أدري، ولكني لا أهرع لمحو لآثاره عني كما كنت من قبل. حتى عندما شردت بعيدا بأفكاري عن النيل وتأملت في سكان المحافظات الساحلية الشرقية، وجدت لهم نكهة مميزة ومختلفة، مصرية لكن ليست بالضرورة نيلية خالصة؛ هم أيضا مرتبطون بشريان مائي هو القناة، التي يجري فيها ماء البحر مختلطا بعرق ودماء المصريين "الفلاحين" الذين حفروها. الجينات المصرية هناك، والطين "المؤسس" هناك في قاع القناة، ولكن الجينات لم تعد تماثل نكهة النيل؛ هي بنكهة الدم والعرق والبذل والكفاح. يتمتع سكان القناة بجينات المصرية الناطقة بالمرح والموسيقى والسمر والعمل الحر، ولكن الطين لا يعلق بأطرافها. الجينات على ضفتي النيل تمتد ضاربة عميقة في جلدة الأجداد، ولا تطفر على السطح إلا قليلا في الأبناء الساكنين على ضفة القناة.
لقد حاولت بعد هذا كله أن أندمج في السياق التاريخي المصري وأقنع نفسي أنه امتدادي الأزلي، ولكني أراني أنبهر كالمستشرق، دون أن يرسخ الطين والتاريخ عميقا في قدمي ويلصقني للأرض. حتى عندما سافرت إلى كندا وعرفت بالتجربة الفارق بين بلد عشوائي على أطراف المدنية الحقة وبلد كل شيء فيه بنظام، لم أتمكن من أن أنتصر لانتماء إلى النظام والعمل الجاد والنظافة واحترام المواطن، وفضلت أن أجرب حظي مع الطين مجددا علّها تفلح هذه المرة. عدت وأنا أسأل نفسي بعد هذا كله، غير قادرة على الإجابة عن السؤال، تماما كما لم يستطع أسامة أنور عكاشة في مسلسله الباحث عن الهوية المصرية "أرابيسك" التي عرف فقط أنها ليست سلطة من كل حقب التاريخ. أسأل نفسي ولا أجد قلبي يخبرني بإجابة شافية: هل أنا عربية؟ مصرية؟ نيلية؟ ليبية؟ إسلامية؟ حاسوباتية أنتسب لِكُلِّيَّتي؟ أبوخيرية لعائلة أبي؟ صقراوية لعائلة أمي؟ هل أنا ذلك كله والانتماء في حقيقته طبقات بعضها فوق بعض ولا يغني بعضها عن بعض؟ هل انتمائي المصري الذي أحاول جاهدة أن أرسخه في لا وعيي يحمل أي معنى ذا قيمة لمستقبلي؟ هل يعاني من تغربوا في بلدان النفط مثل ما أعاني من الهواجس الانتمائية السوفسطائية؟ هل معرفة الأصل مهمة لهذه الدرجة؟ هل أكون أفضل حالا إن عرفت أنني في الأصل من الأشراف أو من الأقباط مثلا؟ ولم ذلك؟ ولم يجب عليّ أن أكون سعيدة إن عرفت ذلك؟ هل مصر بوتقة تصهر كل من فيها بطابع مميز ليس خليطا من كل طبقات التاريخ، وإنما هو مزيج فريد "مصري"؟ ولم ليس الحال كذلك في السعودية مثلا وهي التي استوعبت أمواج الحجيج الذي استوطنها منذ قديم الزمان، فنجد السعودي القبلي والحضري والبخاري والألباني و.. و..؟ ولكن قد يكون لهذا السؤال الأخير تتمة في حديث قادم إن شاء الله. حتى ذلك الوقت، لا زلت لا أحب الفول، ولا آكله إلا مضطرة.

أختم حديثي بحديثين عن الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم:

لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ ، قَالَ : "أَمَا وَاللَّهِ لأَخْرُجُ مِنْكِ ، وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكِ أَحَبُّ بِلادِ اللَّهِ إِلَيَّ وَأَكْرَمُهُ عَلَى اللَّهِ ، وَلَوْلا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ."

"إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن."
  
وآخر عن بلال ابن رباح - أول من قرأت سيرته من الصحابة الأكرمين:

ذهب بلال -رضي الله عنه- يوما يخطب لنفسه ولأخيه زوجتين فقال لأبيهما "أنا بلال وهذا أخي، عبدان من الحبشة، كنا ضالين فهدانا الله، وكنا عبدين فأعتقنا الله، إن تزوجونا فالحمد لله، وان تمنعونا فالله أكبر."

 ثم أختم بالخطبة العصماء التي ختم بها أرابيسك:


المهم نعرف احنا مين و أصلنا ايه
ساعة ما نعرف احنا مين ؟
هنعرف احنا عايزين ايه
و نبدأ .. ونتكل على الله

Monday, January 28, 2013

اللهم اعتراض

كلا، لم أنس ال "لا".

لقد تأخرت هذه التدوينة أربعة أيام، كنت في كل يوم فيها أتجادل مع نفسي لأقصر الشر، وأقول أن كلامي لن يضيف جديدا، وقد قيل مثله الكثير الكثير. لكن أحداث الأربعاء الماضي ظلت تنق وتنق في رأسي طالبة الحرية من قيدها، فها هي ذا. اخترت أن أسرد الأحداث ثم ألحقها بما استخلصته منها، والحديث يطول، فها أنا أعطيتك قارئي العزيز بعض "معلومات" يمكنك على أساسها أن تكمل القراءة أو أن تنصرف سالما.

الأربعاء 23/1/2013

كنت قد عقدت العزم في الليلة السابقة على أن أتوجه إلى القاهرة للذهاب إلى مقر البعثات لاستكمال بعض الأوراق الخاصة ببعثتي، وعزمت أن أذهب لزيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب بعد ذلك وقضاء بعض الوقت في جنة افتراضية مؤقتة. ورغم أنني لم أتعافى كليا من مضاعفات النزلة الشعبية الحادة وتمزق العضلات الذي نتج عنها والذي قيد حركتي بشكل كبير، إلا أنني اخترت أن أضغط على نفسي وأسافر قبل أن تحل ذكرى الثورة وتضطرب الأمور فلا أتمكن من القيام بتلك الزيارة. ولقد حرصت أول ما حطت قدماي أرض عبود أن أتأكد من آخر موعد لقيام أتوبيس العودة، والذي كان في السابعة مساء.

المشهد الأول: مقر البعثات - مدينة نصر (لم يعد هناك)

والبعثات من المفترض أن مقرها الحديث يقع في مدينة نصر في حي اسمه حي السفارات، وهي رحلة كنت قد اعتدت عليها، ولم أمانع بها ذلك اليوم، لأنني سأكون في النطاق المكاني للمعرض. وصلت إلى مقر البعثات الساعة الحادية عشر صباحا، وتوجهت إلى "مكتب الأمن" في مدخل المقر، فهم عادة ما يسجلون بيانات البطاقة الشخصية قبل السماح لنا بالصعود. أخبرني الموظف بأن مقر البعثات قد عاد وانتقل إلى مجمع التحرير.. وقبل أن أنصرف، وقعت عيناي على ورقة بيضاء صغيرة معلقة على الحائط وراء الموظف مكتوب عليها "إعلان: تم نقل مقر البعثات إلى مجمع التحرير".

المشهد الثاني: معرض القاهرة الدولي للكتاب - مدينة نصر

لم أبك كثيرا على ما دفعته في التاكسي الذي أوصلني من عبود إلى مدينة نصر، فهذه الأشياء تحدث. ولكن كان من المستحيل نفسيا أن أذهب إلى التحرير ثم أعود ثانية إلى مدينة نصر، ولذا فضلت أن آتي لمقر البعثات في يوم آخر لأستكمل الأوراق، وقررت أن أستمتع بباقي اليوم في معرض الكتاب. توكلت على الله وتوجهت للمعرض، وفور أن نزلت من التاكسي وجدت أناسا كثيرين أمام البوابات. صور لي خيالي الساذج أنهم يستجمون قليلا ثم سيعودون إلى الداخل، ولكني عندما اقتربت لأسأل أجابني البعض بأن البوابات مغلقة ولم يتم السماح بدخول الجمهور بعد. لماذا أيها الناس؟ لأن الرئيس بالداخل يفتتح المعرض. "ولم يعلنوا عن موعد تقريبي لفتح المعرض للجمهور؟" وكانت الإجابة "لا". قلت لا بأس؛ ننتظر ساعة إلى أن تنتهي التشريفة. جلست أقرأ بعض الوقت وأتطلع لمن حولي؛ نساء في متوسط العمر بأطفالهم وال"ساندويتشات"، بنات جامعيات، رجال كثيرون بالزي الأفغاني (الجلباب القصير والسروال وربما جاكت أو معطف)، ورجال وشباب عاديون. أكثر ما أثار استغرابي هو الأمهات والأطفال، إذ بدا لي وكأنهم في رحلة، وقلت ما أروع هذا - لو أغفلنا الساندويتشات وبعض المخلفات التي ترتبت عليها - فالأمهات يعلمن أطفالهن زيارة معرض الكتاب منذ سن صغيرة. المهم، صارت الساعة الواحدة ظهرا. حدثت فجأة جلبة، فاستبشر الناس وقالوا قد أذن الله بالفرج، ولكن أحد العساكر على البوابة أخبرهم بأن الأوامر لم تصل بعد بفتح البوابات، وأنها قد تصل في الساعة الثانية، أو لا تصل ولا يتمكن الناس من الدخول اليوم. هنا ضاق صدري، وبدأت أتشاءم من اليوم الذي سيضيع هباء، وراودتني نفسي أن أعود أدراجي بخفي حنين وآتي في يوم آخر. لكنني صبرت وقلت "الساعة الواحدة من الثانية لن تفرق كثيرا". وهكذا جلست أنتظر لساعة أخرى وأنا أقرأ حينا وأتطلع في الخلق من حولي حينا، والذين انهالوا بالشتائم بالطبع على كل من هو مسئول عن تعطيلهم بهذا الشكل. بدأت الناس تتسرب عائدة من حيث أتت وقد اقتربت الثانية وليس من بشائر بالدخول. ثم فجأة بدأ الناس بالاصطفاف في طوابير أمام شباك التذاكر، فقلنا أخيرا. ظل الطابور الطويل واقفا لا يتحرك، فسأل المتأخرون المتقدمين مالكم لا تتحركون؟ فقالوا ليس هناك موظف على الشباك، وإنما جاء سريعا ليخبرنا بأنه قد يُسمح للجمهور بالدخول في الساعة الثالثة، ولذا اصطف الناس طوابير ليحجزوا أدوراهم في هذا الجمع.. وقفت في الطابور أقرأ منذ الثانية، ولكن الوقت مع الوقوف يمر بطيئا قاتلا. ثم بحلول قرب الثالثة جاء موظف الشباك، واستبشر الناس خيرا، ثم أُشيع أن العساكر سيسمحون للناس بالدخول دون حجز تذكرة، فهرع الناس من الطوابير التي كانوا قد وقفوا فيها أكثر من ساعة إلى البوابات، ودخل البعض بالفعل، ثم أُغلقت البوابات وقيل لهم لا بد من الحجز. بالطبع كنت قد تسمرت مكاني لم أتحرك وأنا أشاهد هذه المهزلة، وكتمت غيظي وتقدمت في الطابور الذي أصبح بفعل الهرج والمرج "سلطة". وإذ بجماعة النساء لا تتحرك في حين يحصل الرجال على التذاكر! لماذا؟ لأن الموظف لا يريد أخذ ثمن التذكرة من النساء! واضطرت النساء لإعطاء الرجال النقود ليحجزوا هم التذاكر.. في نهاية المطاف حصلت على التذكرة ووقفت في طابور آخر لأعبر من باب ضيق للتفتيش، ودخلت. أن تدخل بعد الثالثة مساء ثم تتذكر بأن موعد الأتوبيس الأخير في السابعة، وأن هذه ساعة ذروة لا بد فيها من التحرك باكرا، كان أمرا في غاية الإغاظة.. جريت بين دور النشر أحاول أن أقلب فيها علّني أجد معظم مراداتي بسرعة، وفقدت كل إحساس بالاستمتاع بمطالعة المعروض وتقييم جودته والمفاضلة بين الاختيارات، ثم إن كثيرا من العارضين لم يكونوا قد أنهوا تنسيق مساحات عرضهم بعد، ورغم أنني لم أدخل إلا قليلا جدا من دور النشر، إلا أن الشروق على الأقل اهتمت بأن يكون لكل قسم من الكتب شاب عارف بما فيه من الكتب يعرض المساعدة بكل تهذيب كي لا تضيع وقتك بالبحث دون طائل إن كنت تبحث عن كتب بعينها. انتقيت ما تيسر لي من أربع دور كتب، ثم جريت مسرعة إلى الخارج لأبدأ رحلة العودة. كان جل ما قضيته من وقت بالداخل لا يتعدى الساعتين.

المشهد الثالث: عبود

وصلت إلى موقف عبود حوالي الخامسة والنصف، بعد ساعة بالتمام والكمال من استقلال التاكسي. وجدت طوابير من البشر على شباك التذاكر، فوقفت في الطابور، ولكن الموظف بالداخل لا يقطع التذاكر للناس. لماذا؟ لأنه ليس هناك أتوبيسات. ولكني تأكدت أن آخر موعد هو في السابعة، وفي العادة هناك أتوبيس كل نصف ساعة.. يسأل الناس الموظف إذا ما كان هناك أمل بأن تأتي أتوبيسات، فلا يجيبهم بما يبل الريق.تقف الناس صابرة متأملة، ويفقد البعض صبره فيهدد بحرق مقر الحجز، ولكن الآخرين في الطابور ينهرونه ويقولون لقد مللنا من الحرق والاعتراض؛ ليست هذه الإجابة على كل شيء مخروب في هذه البلد.. أتعشم أنا في أن يكون هناك ميكروباصات، ولكن لا يوجد.. يقولون أن الطريق الزراعي مقطوع والذي قطعه ألتراس الأهلي، فقد تصادف أن أعلن النائب العام يومها وجود أدلة جديدة قد تؤجل الحكم في قضية مذبحة بورسعيد التي راح ضحيتها أكثر من 70 من رابطة مشجعي الأهلي منذ أشهر، وقد غضب أعضاء الرابطة مما اعتبروه مماطلة في القضية، وقطعوا كوبري أكتوبر وخط المترو لنصف ساعة أو ما قارب، وقيل أنهم قطعوا الطريق الزراعي وخط القطارات أيضا. رائع! الناس إذا محجوزة هنا في عبود ولا سبيل للعودة؟ انتظرت حتى حوالى السادسة والنصف، ثم لاح أتوبيس وظن الناس أنه الفرج، فإذ بالسائق يعتذر بأنه يعمل بلا توقف منذ الرابعة صباحا ولا يستطيع أن يفتح عينيه، ولن يخاطر بالركاب.. لم أَلُمْه. اتفقت مع بنتين أن نجرب حظنا في القطار لعلنا نلحق بموعد السابعة والنصف، وانطلقنا تاركين وراءنا أناسا لا يملكون مثل رفاهيتنا في الخيارات. هناك منهم من كان يملك فقط القدر من المال الذي أوصله إلى عبود وتذكرة العودة بالأتوبيس، فماذا تتوقع الحكومة وشركة النقل أنهم فاعلون عندما يفاجَئون بأمر واقع لم يأخذوا له العدة؟

المشهد الرابع: رمسيس والقطار ورحلة العودة

وصلنا إلى محطة رمسيس حوالى الساعة السابعة وعشر دقائق، وجرينا للوقوف على رصيف القطار. راعنا العدد الكبير من الناس المصطفين على رصيف القطار، وبالطبع لم نحجز تذاكر لأنه بالتأكيد لن يكون هناك أماكن شاغرة، فاليوم آخر يوم في الفصل الدراسي الأول، والغد يوم المولد النبوي الشريف، والموعد متأخر. انتظرنا حتى جاء القطار، وركبنا بالتدافع في عربة الدرجة الثانية المكيفة.. ظل الناس يركبون ويركبون ويضغطون أي مساحة فارغة، حتى ضاقت الصدور بالأنفاس وظننت أننا في يوم الحشر ولسنا في عربة للدرجة الثانية المكيفة.. ولم يعد هناك مكان للمزيد حقا، وقد وقفت على قدم واحدة مع إحدى البنتين وتاهت منا الثالثة.. وتَلَوْت الشهادتين، إذ أن منظر العربة - التي كانت الأخيرة - بكل هذا الكم من الناس فيها، كان مبشرا بمأساة ومذكرا بالحادث القريب لقطار المجندين. تحرك القطار متأخرا عن موعده ربع ساعة، وبدأ في السير بطيئا حتى وصل إلى محطة شبرا الخيمة وتوقف كما جرت العادة ليركب المزيد.. بالطبع لم بكن هناك مكان لأي مزيد، ولكن المنتظرين على الرصيف في شبرا لن يفهموا هذا، ومن حقهم أن يركبوا.. لم يفتح لهم الباب، لأن امرأة مقعدة أجلسها أقاربها على الكرسي المتحرك وراء الباب فأحكموا إغلاقه.. وهنا جن جنون من بالخارج فصاروا يدقون بعنف على الباب ومن بالداخل يصرخ بمن بالخارج، وكسر من بالخارج زجاج الباب ليفتحوه، فلم يستطيعوا، ثم جروا ليلتفوا حول القطار ويحاولوا اللحاق به من الاتجاه المخالف، ولكن القطار انطلق، تاركا إياهم يجرون محاولين اللحاق به، يبتلعهم بالتدريج أمام عيني ليل مجهول ليس به أمان. اكتشفت بعد ذلك أن التكدس حدث نتيجة أن موعدين لقطارين سابقين قد تم إلغاؤهما. هكذا، دون إخطار. لم لا وهما قطاران ليس بهما عربات مكيفة.. إنها قطارات البسطاء، ولذا هي لا تهم، وليس من المهم أن يعرفوا بالقرار مسبقا ليرتبوا أمورهم على ذلك. وكيف كانوا سيرتبون أمورهم يا ترى، ولم تكن هناك في تلك الليلة أتوبيسات ولا ميكروباصات كحلول بديلة تعود بهم إلى بلادهم؟
سار القطار حينا ينوء بحمله الثقيل، واستفزني بائع اللعب وبائع الشاي اللذان أصرا على الدخول للعربة والصياح على بضاعتهما مع ما بالعربة من تكدس ليس فيه موضع لقدم، ولكن لم يمض قليل من وقت إلا وتوقف القطار في منطقة مظلمة. مرت خمس دقائق، ثم عشر، ثم ربع الساعة، ثم ثلت الساعة، ثم نصف الساعة، ثم تحرك القطار الهوينا أخيرا. تكرر هذا الموقف مرتين أخريين، وفي كل مرة يبحث الناس عمن يسألونه عن الخطب، وما من مجيب.. وصل القطار في النهاية إلى المحلة الكبرى (منتصف المسافة إلى دمياط تقريبا) حوالى الساعة الحادية عشر مساء، أي أنه استغرق حوالى خمس ساعات بدلا من الساعتين المعتادتين..

كانت تلك الخمس ساعات أول فرصة أتيحت لي طوال اليوم لأفكر فيما يحدث، وكانت الفكرة التي برزت في عقلي ساعتئذ هي "المعلومات والشفافية". لست في حاجة لأن أشير لبنيتنا التحتية المتهالكة، ولا لمنظومة المواصلات المهترئة المهينة، ولا لحالة الفوضى التي باتت أمرا طبيعيا لا يثير الدهشة. كان ما أغاظني حقا هو منظومة حكومية لا ترى أن للمواطن الحق في أن "يعرف":
-- ليس من المهم للطلاب المسافرين من محافظات بعيدة وقريبة أن يعرفوا أن المقر الذي يتعاملون معه لشئون البعثات قد تغير؛ إعلان بسيط على الموقع الإلكتروني لن يتكلف ميزانية ولن يتطلب بنية تحتية بملايين الجنيهات.
-- ليس من المهم لرواد معرض ثقافي يتكرر أياما معدودة كل عام أن يعرفوا أن زيارة السيد الرئيس في أول يوم تستغرق كذا ساعات من وقت المعرض وسيتم الافتتاح للجمهور الساعة كذا. ليس من المهم أن يحددوا على الموقع الإلكتروني أن أول يوم مغلق للجمهور حتى الساعة الثالثة مساء نظرا لزيارة السيد الرئيس. وليس من المهم إذا ما حضر الناس بالفعل أن يُعلن لهم على البوابات بشكل رسمي متحضر أن "يا أيها الناس نعتذر ولكن الافتتاح للجمهور سيكون الساعة كذا".
-- ليس من المهم أن يعرف المسافرون سبب تعطل الطوابير، ولا أن يعلموا ما إذا كانوا سيسافرون في نهاية المطاف أم لا، وربما لا يعلم الموظف نفسه، وبالتأكيد هي سياسة في غاية الحمق أن تترك الناس في وقت السفر يتخبطون في الحيرة ولا توفر لهم معلومات أكيدة لا مماطلة فيها تمكنهم من اتخاذ قرارات مناسبة لضمان عودتهم إلى مدنهم وقراهم سالمين، أو حتى البحث عن وسائل للمبيت.
-- ليس من المهم أن يعرف المسافرون أن قطارين سيتم إلغاؤهما قبل الموعد بوقت كاف. وليس من المهم أن تقيم الحكومة وزنا لراكبي قطارات الدرجة الثانية العادية، بل يمكنها أن تلغي قطاراتهم متى عنّ لها ذلك ودون شرح الأسباب حتى يستوعب الناس ويتفهموا.. ولكن لا يجرؤ أحد على إلغاء القطارات المكيفة وقطارات المستشارين، والتي علمت فيما تجاذبت من حديث مع رواد القطار أنها من القطارات المنضبطة والتي لا يمكن أن يحدث بها تسيب أو بطء في السير. هل بقية المسافرين في عرف الهيئة ليسوا بشرا لهم أشغال وأعمال والتزامات؟!
-- ليس من المهم أن يعرف ركاب القطار سبب توقفه في الطريق فجأة ولمدة طويلة. ليس من المهم أن يُعلَن في السماعات الداخلية للركاب أن القطار سيتوقف الآن نظرا لكذا وكذا ونشكركم لصبركم وتعاونكم.. وهذا أيضا لن يكلف الدولة أموالا طائلة لبنية تحتية.
أما أكثر ما أثار عجبي فهو سائقوا التاكسي الذين ركبت معهم في ذلك اليوم، حيث حرصوا جميعا على سؤالي عما إذا كان لدي خط سير مفضل ليتبعوه، وعندما كنت أجيب بالسلب، كانوا يحرصون قبل كل تغيير في خط السير على أن يخبروني بأن هناك "تغييرا" و"ما هو" هذا التغيير، ولم يفرق معي هذا كثيرا لأني لست خبيرة بطرق القاهرة، ولكنه مع ذلك جعلني في غاية الاطمئنان وأمكنني من استشفاف معالم الطريق بناء على ما كان يقوله السائقون. والأمر الآخر هو أن المصريين اعتادوا الطوابير، وظلوا في الأماكن التي ذهبت إليها (وقبلها في أيام الانتخابات) منتظرين في الطابور بنظام وصبر رغم فقر المعلومات وتخبط الأداء وتعطيل المصالح. ولذا حقدتُ جدا على من أشاع في معرض الكتاب أنه لا تذاكر هناك وأفسد بذلك نظام الطابور وأشاع الفوضى؛ أنت تهز من احترام الناس للنظام، وفي المرة القادمة لن يكونوا متحضرين ولن يقفوا في طابور لأنك أثبتت لهم انعدام جدوى التحضر والنظام وسيادة شعار الفوضى في الأداء، تماما كما تناقص الإقبال على الانتخابات المتكررة لأنك لم تحترم اختياراتهم واخترت إما أن تحجر عليهم أو تستهزيء بهم أو ترمي بقرارهم عرض الحائط. إنها قصة الراعي والذئب التقليدية.

إن الإجراءات التي تحترم حق المصريين في المعرفة والمعلومات تُعَدُّ ممارسة فاحشة في نظر الحكومة، التي تعتبر أنها "تعرف كل شيء"، وأنها "الأب" الكفيل بالتصرف بما فيه المصلحة. هل هي رفاهية أن أتحدث عن الحق في المعلومات عندما يتحدث الآخرون عن الحق في الرغيف والمواصلات؟ ربما، ولكن أجزم بأن الدراسات النفسية ستثبت أن معرفة كم من الوقت ستنتظر حتى تحدث انفراجة في أزمة ما وماهية الإجراءات المتبعة لحلها ستؤهلك نفسيا وعقليا لتقبل حالة الانتظار ومدته حتى وإن طالت، وستقل شحنة الإحباط التي قد تنفجر مع عدم توافر الرؤية والصبر وعدم معرفة منتهى الأمور. أليس هذا ما يقوله الاقتصاديون للحكومة الآن؟ أن تخبر الشعب بالتفاصيل بحيادية وموضوعية وشفافية مع توضيح إجراءات حل الأزمة والمدى الزمني الذي ستستغرقه؟ إن الحكومة تطلب من الشعب التحضر ولا تحترمه هي بإجراءات متحضرة وبسيطة وآدمية، وتطلب من الشعب الصبر ولا تخبره بإجراءات محددة وواضحة لمواجهة المشكلات وحلها حتى يصبح للصبر معنى. يسري الأمر في نظري على مل ما من شأنه أن يمس المواطن البسيط؛ إن أردت أن تقطع طريقا اعتراضا على أمر ما، أعلن عن ذلك وأعلن عن أسبابك، ولن أعترض أنا ولربما أتعاطف أو أعترض معك، ولكني سآخذ احتياطاتي إن كان عندي ظرف طاريء. أنا لن أحجر على حقك في الاعتراض والتضييق على الحكومة كرد فعل على سياساتها (أو انعدام سياساتها..)، ولكن الذي يعبر عن رأيه بقطع طريق أو خط مترو أو خط قطار لمدى غير محدد وغير معلن عنه مسبقا إنما يضر المواطن البسيط ويعطله، ويضيف إلى التعطيل الذي تساهم به الحكومة. إن الحكومة يا عزيزي لا تهتم إن لم نذهب إلى بيوتنا في المساء، ولذا فهي لن تهتم إذا قطعت أنت طريقي. إنها حتى لا تهتم بالصورة التي تعكسها هذه الفوضى على استقرار البلاد لأنها جزء من الفوضى بعشوائية الأداء وعدم توفير المعلومات. لقد كان هناك أجانب زائرون أمام بوابات المعرض، ولم يكونوا يعلمون شيئا مما يحدث، ولم يتواجد أي شخص من المنظمين للمعرض على المداخل كي يتحدث معهم.


ظلت الفتاة التي ركبت معها القطار تردد "اللهم لا اعتراض" كلما توقف القطار أو ازداد الزحام، وكان أمامها سفر أبعد مني. وكلما رددت هي "اللهم لا اعتراض" صرت أنا أقول "اللهم اعتراض!" أعترض على انتهاك كرامتي وحقي في أن أعرف، وأعترض على أداء مشين من هيئات حكومية لا زالت لا تقيم للمواطن البسيط وزنا، وأعترض على فقر الرؤية والأداء، وأعترض على أن تتركني الحكومة في الظلام لا أعلم شيئا مما تدبر ولا أعلم كيف أخطط يومي بشكل فعال لأحصل على إنجاز فعال لأنها لا تريد أن توفر لي معلومات أساسية بطرق غير مكلفة.

اللهم اعتراض.

Template by:
Free Blog Templates