Thursday, August 29, 2019

المكاشفات الأولى في ذكرى الميلاد

منذ أسبوع أتممتُ عامِيَ الواحِدَ والأربعين. عامٌ كاملٌ من العقد الخامس قد تمّ.

تُراوِدُني منذ بَدَأَ الشّهر فكرةٌ واحدة: أن أعالج ما ترسّب في نفسي من عُقَد وأنْفض عن عقلي ذكرياتي البائسة بالكتابة. لماذا لا أذهبُ إلى طبيب، فأحكي له نفسي مُنذُ البداية، فتصفو أخيرًا وتستوي؟ تسيطر عليّ فكرة أخرى: ما أهمّية ما حدث لكِ وما قوّته وقد امتلأ العالم بالمآسي؟ أكُنتِ تعيسة؟ تقول أمّي دومًا أنّ كلّ الناس تُعساء بِدَرجات، وأَختلِفُ معها وأُجادِل؛ أرى بعضَ الناس سعداء تماما، ولا تعدو "مآسيهم" أن تكون نواتج روتين الحياة التي يمرّ بها كلّ من يعيش نفس الروتين.

أَبحثُ في نفسي أكثر؛ ربّما أعتقد في قرارة نفسي أن مآسيّ من العَظَمة بحيث لا بدّ أن أُخَلِّدها بالكتابة. نعم، لطالما ظننت أن حياتي إغريقيّة، فأنا منذ البداية، منذ كان عمري 6 سنوات، أَسرُدُها في عقلي كما لو كُنتُ بطلةً على المسرح. أليْسَ يقولُ يوسف وهبي: "ما الدنيا إلا مسرحٌ كبير"؟ هو ذاك؛ الدنيا مسرحي الكبير، وأنا دومًا أمثّل. لا أظنّ أنّي أخبرتُ أحدًا مِن قَبْلُ أنّني قد مثّلت فعلا في المسرح المدرسي. لم يكُن والداي يعلمان بما أفعلُ في المدرسة، وفي سنة من السنين لم يكونا يذكران في أيّ سنةٍ دراسيّةٍ كُنْت. كان التمثيل المسرحي نشاطًا اكتشفتُه بالصُّدفة، كما اكتشفت كلَّ الأنشطة الأخرى. لم يكن لديّ شغفٌ يَدفعُني لاكتشاف الأشياء، وهذا الشغف المفقود سيلازمني لباقي العمر، فلا أسعى لشيء، ولا أثابرُ على شيء، وأُدفع للأمور دفعًا، فأؤدي جيّدًا، وربّما أتميّز، ولكن لا يعدو الأمر فَوَراتِ استكشافٍ لا تدوم. 

أًدّيْتُ دوري في مسرحيّة المدرسة مرّتيْن؛ مرّة في مسابقةٍ على مستوى المنطقة، ومرّة في التصفيةِ النهائية على مستوى المُحافَظة. كان عمري وقتها اثني عشر عامًا. أجرؤ أن أقول أنّني في المرة الأولى كنت عظيمة؛ كان دوري أن أمثِّل أُمًّا فلسطينية تتلقّى خبر مقتل ابنها وهو يقطِف بُرتقالًا من مزرعتهم الواقعة تحت الاحتلال. أَلْقَيْتُ المونولج الأعصم، وبكيتُ كثيرًا، ثمّ خرجتُ من المسرح على صوتِ التّصفيقِ الحارّ من الجمهور، وارتميت في الكواليس بين ذراعيْ المُخرِج، وكان أستاذًا كبيرًا للمسرح جاء إلى مدرستنا ليخرج المسرحيّة. بكيتُ كثيرا. صدّقت نفسي. ربّما منذ تلك اللحظة راقت لي لعبة التظاهر؛ أن تعيش في جِلْد غيرِك، وتبكِيَ دموع غيرِك، لأن دموعك أنت لا بدّ أن تظلّ طيّ الكِتْمان. كانت تلك أوّلَ وآخر مرة أبكي فيها في العلن. في الأداء الثاني للمسرحيّة، كنت أؤدي المشهد مُكَرّرًا، ولم يكُن التِكرار كالمرّة الأولى؛ كنتُ أُمثِّل الأمومة وأُمثِّل البكاء. صفّق الجُمهور بنفس الحرارة، لكن دموعي جفّت فَوْرَ أن اختفيت من على خشبة المسرح. أصبحتُ محترفة. عجبا! لم يكُن تمثيلي في العرضِ الأوّل هو أدائي الأوّل، فقد سبقتهُ تدريبات مُكثّفة على مسرح المدرسة قبل أن نذهب للمسابقة. لِمَ تألّقتُ وقد كنتُ أُكرِّر؟ ربّما هو الجُمهور، ربّما هي لحظة الأداء العلني، ربّما إحساسي بالمسئولية تجاه الفريق والمدرسة. لستُ أدري. للمرّة الأولى سِحْر لن يتكرّر وإن تكرّرتِ المرّات. في المرّة الأولى فشلتُ لأنّني كنت صادقة، وفي المرّة الثّانية نجحتُ لأنني أتقنتُ الدَّوْر.

راودني حُلم التّمثيلِ زمنًا، ولكنّه لم يكن شغفًا إلّا بِقَدْرِ ما كنتُ أُمثِّل بيني وبين نفسي عندما أكونُ وحيدةً في المنزل. لم تكُن حاجة للتّمثيل كَفَنٍّ قَدْرَ ما كانت حاجة للتّقمُّصِ والهروب؛ أن أعيشَ حياةً غيْرَ حياتي. أن أعيشَ دراما. 

(إنّ محاولة سَبْرِ أغوار النفس للوصول إلى ما يعتمل فيها أَمرٌ مُزْعجٌ حقًّا)

اكتشفتُ الأنشطة الأخرى بالصُّدفة؛ الموسيقى، الخطّ، الرّسم، الكتابة، الإلقاء. كنتُ أرمي نفسي في كلّ ما أكتشِف، ولا أغفل أبدًا أن أستذكِرُ دروسي جيدًا، وأتألّق على جميع الأصعدة. كنتُ أَخلِقُ مِن نَفْسي نَجْمةً في مدرستي، كالعصاميّ الذي يبني مجده من الصّفر، إلّا أنّني كنتُ تحت الصّفر. أنْ تَنشأَ مُغترِبًا في وسطٍ يَحتقِرُ فَقْرك ويُعايِرُك به كلّ لحظة سرًّا وعلنًا كان أمرًا قاسيًا. أنْ يكونَ نَعْتُكَ دومًا هو "المصريّة الفوّالة" في أوّلِ سنين وَعْيِك بالعالم كان أمرًا قاسيًا. أنْ تَشكُوَ للمرّة الأولى فلا تَجِدَ منْ يَسمعُك، فتعتادَ ابتلاع الإهانات دون بُكاء، لأن البُكاء يجلب المزيد منها. أنْ تُجْبَرَ على أن يكون ثَمَنُ اعتدادِك بِنَفْسكَ هوَ أن لا تبكي أبدًا مهما كان الأمرُ قاسيًا. 

ولكنّي بكيت مرّة واحدة. كانت مرّة خارج المسرح. كنت أُحاوِل اكتساب أصدقاء يُحبّونَني لنفسي، ولكني كنت أحاول اكتسابهم بأن أَنخرِط في أَنشطِتِهم، وكان النّشاط هذه المرة تقريرًا للإذاعةِ المدرسيّة. كُنّا ثلاثة في مكتبة المدرسة، وكانت "الصّديقتان" تلعبان، وأنا أكتُبُ التّقريرَ وظهري لهما، سعيدة بأن أقوم بكل العمل. كُنتُ مُغْتَبِطَةً بتلك اللحظات التي سُمح لي فيها أن أكون مع اثنتين تمنَّيْتُ صداقتهما. قَرَّرَّتِ الصديقتان أن تلعبا لُعْبةً جديدة، فكانتا تجريان بطول قاعة المكتبة مُتقابِلَتَيْن، حتى إذا ما الْتَقَيَتا ورائي قامتا بضربي على ظهري بالتناوب وأكملتا الجري في الاتّجاه المُقابِل. في كلّ مرّةٍ كانت ضحكاتهما تتعالى، وأنا أكتمُ القهْر وأكتُب. أكتُب، وأكتُب، وأكتُبُ، حتّى بكيْت؛ صامتةً في البداية، ثم ندّت منّي شَهْقةٌ أَبَتْ إلّا أن تهرُب إلى فضاءِ المكتبة. توقَّفَتِ "الصديقتان" قلقتيْن، وسألتاني عمّا بي، فأجبتُ أنّي حزينةٌ لأنّ أُختي مريضة. "لا باس لا باس". 

أتخيل نفسي أشاهد ذلك المشهد مُمَثَّلًا في فيلمٍ أو مسرحيّة، مُحرِّكًا مشاعر المشاهدين حتّى يجْشهوا بالبُكاء، ولكن لم تتحرك مشاعرُ أحدٍ عندما كان المشهدُ حقيقة. لقد أخفيتُ الحقيقة جيّدًا. يومها عرفتُ أنني أجيد التمثيل، ولكنّني ظننتُ أنّني أبدًا لن أكونَ مُحترِفة؛ سيظل بداخلي دَوْمًا رُكْنٌ قَصِيٌّ يتأثّر لِما يحدثٌ لي ويهدّدُ بأن يفضحني بالبُكاء. ولكن عندما ضربتني مُدَرِّسة بعدها بعامين، وخرجتُ بِخَدّي الأحمر يَرِنُّ أمام طابور صباح المدرسة كلها، وكان فيه "الصديقتان"، لم أذرف دمعة. رفعت رأسي عاليًا، وكتمتُ الشّهقات التي كانت تُمَزِّقُ داخلي بقبْضةٍ من حديد لا زلتُ أذكرُ طَعْمها جيّدًا. لن يرى هؤلاء ضعفي ثانية أبدًا. لقد أتقنت الدور.

سأحاول اكتساب الأصدقاء ثانية في بلدي. لن أكون مُغترِبة هذه المرة، وسأبدأُ مِنَ الصّفْرِ ثانيةً؛ سأكونُ صادقةً في الْمَرَّةِ الأولى، وسأتلقّى ضَرَباتٍ قاصمة، وسأتلقّاها وأرفعُ رأسي عاليًا، وسأكتمُ البكاء، وسأندُب غبائي في صمْت. لن يكونَ هُناكَ تمثيلٌ لِلَحَظاتِ الدّراما تلك، لأنّني سأدفِنُ القصّة والسّيناريو والْحوار للمرّةِ الأخيرة؛ لقد أتقنت الدورَ حتّى لم يعد هناك حاجة لهم.

ولكن لِكُلّ ذلك نهايةٌ سعيدة (إلى حدٍّ ما).

عندما توقّفْتُ أخيرًا عن مُحاولةِ اكتسابِ الأصدقاء، وَجَدْتُهُمْ؛ الكثيرَ مِنْهُم، بِدَرَجات كثيرةً وتنويعاتٍ تُرضي شخصيّاتي المُتعدِّدة، فأنا لا زلت مُمَثِّلةً على مسرحِ الحياة. تُطمْئِنُني الصّداقات الجديدة، وأُصَدِّقُ أنّها طيّبةٌ ومُطَبِّبَةٌ للنّفس. أستقِرّ في إيقاعٍ هاديءٍ خالٍ من المفاجآت غير السارّة. لقد انْحَسَرَتْ بُؤرةُ الدّراما الحالكة وبِتُّ أقضي جُلَّ وقتي في الشّمس كباقي خلق الله. لكنّ الدّوْرَ الذّي أَتْقَنْتُه، والدّرْسَ الذّي تَلَقَّيْتُه، يُلقيان بِظِلّالِهِما، فلا أقتربُ كثيرًا مُعظمَ الوقت. وأحيانًا، أحيانًا قليلة، أقتربُ أكثرَ مِنَ اللّازِم، مُتَحَدِّيةً المُخرِج أن يَحْذِفَني بِضرْبة أقسى ممّا اختبرتُ كي يرى كم سأتلقّاها باعتداد. لقد سئمتُ ابتلاعَ نَفْسِ الدّموعِ التّي بَكَيْتُها في لحظاتِ الماضي تلك، وصار اجترارُ تلك اللّحظاتِ مُمِلًّا. لقد ابتعدَ الماضي كثيرًا، ولم يَعُدْ من المُجْدي ولا من المُؤثِّرِ أن أَحْكِيَهُ الآن وقد كبُرْتُ وتعدَّيْتُ العِقْدَ الرّابع، وبَهَتَ بريقُ الدّراما الطّفولية؛ سيقول لي الجميع: "اكبري وانضجي". لقد اكْتَسَحَني المَلَلُ الكامِل. لا بدّ من دراما "طازجة" حتّى أستطيعَ الاستمرارَ في البقاءِ على المسرح. هذه هي العُقْدَة، والحَلّ.

Wednesday, August 22, 2018

امبارح كان عمري عشرين

"ما السنّ إلا رقم".

من عشرين سنة بالضبط، كان عمري عشرين. كنت باقول وقتها للناس وأنا كلّي أسى "كمان عشرين سنة هايبقى عندي أربعين سنة!" وكانت الناس تقول "ياه .. لسه بدري قوي على الأربعين! انتي فين وهي فين؟ عيشي سنّك!" وها قد جاءت الأربعين فجأة، ومعرفش هل كده انتهت زهوة السنين من عمر الواحد من دون ما آخد منها كل اللي ممكن آخده من انطلاق وانبساط أو لأ. ليه كان كل الخوف ده من الأربعين؟ هل كنت شايفاها السن اللي بينتهي عندها عمر الستّ؟ هل كنت شايفاها السن اللي لازم قبلها أكون عملت كل حاجة نفسي فيها عشان يكون للحاجات دي طعم؟ هل ده كان جزء من حبّي للدراما؟

لما أبصّ على السنين اللي فاتوا، بافكّر، هل أنا عشت "سنّي"؟ العشرينات والتلاتينات؛ زهرة الشباب. لما براجع الشريط بلاقي إن العشرين سنة اللي فاتوا كانوا حافلين بالخبرات والرحلات والناس، والحمد لله كانت خبرات مهمّة بحلوها ومرها، وكانت رحلات ممتعة ومتنوعة برّا البلد وجوّا البلد، وكانت كل الناس اللي عرفتها نِعَم جميلة وكنوز حقيقية. والعشرين سنة اللي فاتوا كانوا كلهم تقريبا شغل (التمنتاشر سنة الأخيرة تحديدا)، ورغم إني عمري ما كنت راضية عن أي شغل عملته إلا إني بذلت مجهود كبير واشتغلت كتير وشفت طلاب كتير وكان معظم وقتي مترتب حوالين أنشطة الشغل المختلفة. يجوز ده يخليني أعتقد إني مانبسطتش كفاية ولا انطلقتش كفاية، برغم إن كان فيه أوقات كتير حلوة مع ناس حلوين وفي أماكن حلوة. لكن برضه العشرين سنة اللي فاتوا راحوا في الترقّب؛ ترقّب إن حاجات حلوة تحصل، وبعضها حصل، وترقّب إن حاجات وحشة تختفي، وبعضها اختفى.

أحلام كتير اتمنيتها، ويجوز محصلتش، ويجوز حصلت بس بتأويلات، زي ما بنأوّل أحلام النوم. أماكن كتير كان نفسي أزورها، وزرت بعضها، لكن يجوز مش في أوج حالاتي. لحظات ولقطات اتمنيت أعيشها، وعشت بعضها، لكن مكانتش بنفس الزهو اللي بيزيّنه الخيال. كلمات كان نفسي أقولها، ويجوز قلت بعضها في خيالي، ويجوز قلت بعضها في الحقيقة، لكن متأخر، أو بصيغة غبية، أو من غير إحساس واقتناع. مواقف كان نفسي ماتحصلش، لكن حصلت. كلام كان نفسي مايتقالش، لكن اتقال. تجارب أوّل مَرّة، وبقت تاني وتالت مَرّة أسهل. تجارب مُرّة، ويجوز مرارتها خفّت مع الأيام، لكن مابتروحش، ويجوز بتمرّر ما بعدها. كل حاجة وعكسها، وكتير من "أنا كان مخّي فين!" و "ماقلتيش ليه!" و "قلتي ليه!" ودعاء كتير إن الزمن يرجع لورا عشان "خلاص اتعلمت وهاتصرف صح المرة دي". لكن هيهات. العمر قطر طريق واحد، مابيرجعش غير في خيالنا. باحاول حتّى أفتكر تفاصيل من العشرين سنة دول، لكن كل التفاصيل انصهرت في بوتقة واحدة أقدر ألخصها بإني "اشتغلت وسافرت وحبيت وكرهت وقريت واتعلمت وجهلت" بدون ما أعرف كل حاجة من دول كانت لإيه أو لمين أو امتى. 

يمكن الفكرة الوحيدة اللي كانت واضحة ومسيطرة عليا في أواخر السنين العشرين دول  هي فكرة "الاستقرار"؛ إني بعد الحلّ والترحال الكتير والأحداث الكتير كرهت الحياة "المؤقتة" والانتقال وشنط السفر ولمّ العِزال وكرهت الدوشة والتعامل مع الناس. سيطرت عليّا الفكرة دي لدرجة الهوس، وأقنعت نفسي إن ليس بالإمكان ترتيب وضع معيشي وعملي أحسن من اللي أنا فيه، وإني مفروض أتقبّل ظروفي وأتأقلم مع المنغّصات الحالية وأحدد تعاملاتي بالحد الأدنى اللي يضمن "تسيير الأعمال"، فذلك أفضل جدا من المخاطرة بالانتقال من جديد لوضع جديد والبدء من جديد في تأسيس حياتي وإثبات نفسي. لكن يبدو إنّي خُلقت للحياة المؤقتة، وإن الانتقال المستمر ده هو الثابت الوحيد في حياتي. وأنا باتمّ الأربعين لقيتني باخد خطوة كل الناس اعتبرتها جريئة، وسِبْت مكان شغلي اللي أخد مني العشرين سنة من عمري اللي هم ال "prime years"، وهابدأ شغل في مكان جديد معرفش هياخد مني قدّ إيه ولا هاقدر أدّيله قدّ إيه. مش بسّ كده، ده أنا كمان هاعيش في القاهرة الجبّارة اللي بتفرم الناس! لكن أنا طول عمري باحب القاهرة، بكل اللي فيها، ويمكن دي فرصتي عشان أتأكّد إن كانت تستاهل الحب أو لأ. يمكن كل الأوضاع المؤقتة كانت خطوات بامشيها مسيّرة عشان أوصل للنقطة دي وأستقر "رغما عنّي"، ويمكن لأ، وهافضل أتنقل وأقابل ناس وأثبت نفسي ليهم.

التجربة والمغامرة مخيفين. مخيفين جدا. وأنا جبانة جدا؛ جبانة ومابحبش المواجهة ولا الصدام ولا القلق. وأنا عندي عشرين سنة كنت شايفة كل سنة جايّة تخوّف. كنت باواجه الحياة لوحدي، وكنت خايفة لحدّ الرعب أعتمد على حدّ أو أحتاج لحدّ. لكن في المجمل مكانوش العشرين سنة اللي فاتوا دول يخوّفوا قدّ ما كنت فاكراهم من عشرين سنة، وأعتقد إني دلوقت واقفة على عتبة مرحلة مهمة، لازم أستفيد فيها من كل دروس الزمن، وأول درس هو إني ماستناش سنّ الستّين وأفضل خايفة من كل سنة جايّة لحد ما أوصل له (بفرض الوصول). بس الجميل إني هاواجه السنين الجاية لوحدي ومش لوحدي؛ لوحدي عشان معنديش السند التقليدي، لكن مش لوحدي عشان عندي أصحاب كتير ومخزون تجارب أقدر أعتمد عليهم. معدتش باخاف قوي أعتمد على الناس، ولول إني برضه محبش أحتاج لهم. من النقطة دي، من أول الأربعين، هاقول لنفسي إني لازم أحاول أسترخي أكتر وأوعى أكتر وأسافر أكتر وأحب كتر وأغلط أقل وأقلق أقل وأخاف أقل. بس يبدو إني هافضل أجرب أكتر، وأغامر أكتر، على أمل إنه في لحظة ما (مش هاترقّبها خلاص) يحصل الاستقرار تلقائي، وأوصل للسلام.

Thursday, June 14, 2018

الستّات بهجة الكون

يهلّ العيد بعد يومين.
طول رمضان، الستّات في مصر بيكونوا مشغولين في المطبخ، والسنة دي كمان مشغولين مع ولادهم في الامتحانات، واللي بتشتغل عندها كمان شغلها. الأيام السابقة على العيد بتكون أيام طاحنة لكتير من الستّات في مصر، علشان التنظيف والكحك والبسكوت. ولكن، في خضمّ الزحمة دي كُلّها، في آخر يومين قبل العيد، كتير من الستات لازم تخطف وقت تروح فيه للكوافير اللي جنب بيتهم، علشان يتجمّلوا في طقوس بسيطة احتفالًا بالعيد. التجمّل ده ممكن يكون بطُقوس بسيطة زي تهذيب الحواجب، وممكن يوصل لغسيل وقص وصبغ وسيشوار الشعر لو الستّ مستغنية عن ليلة كاملة. يمكن يكون وقت الكوافير ده الوقت الوحيد في الأعياد والمناسبات اللي الستّات دول بيكرّسوه لنفسهم همّ وبس. أنا في العادة مابروحش، لاعتبارات الكسل وكره الانتظار، لكن امبارح قررت إذ فجأة إني أروح، وقلت أدلّع نفسي بعد زمن كتير قوي مكنتش خصّصت الوقت لطقوس الدّلع دي. المكان اللي رحته كان زحمة جدا؛ صفوف من الستّات والبنات قاعدين، وصفوف واقفين، والكل منتظرين إن أربعة يخلّصوا مع العاملات الأربعة في المحل؛ ستّ وبنتها أصحاب المكان، وبنتين كمان بيشتغلوا معاهم. وطّنت نفسي إنّي أنتظر وأمارس هوايتي في الفرجة على الناس ومراقبة تصرفاتهم، وكلّها ساعة والّا اتنين والحكاية تخلص. قعدت في ركن جنب باب المحل، ومن مكاني كنت أشوف الداخل والخارج، وأكشف كل المحل بنظرة واحدة. بعد الامتعاض الأولي من الزحمة والحر والخنقة والدوشة، لقيتني باتأمل في اللي حواليّا.
بالتأكيد ده مكانش محل كوافير يشبه الكوافير اللذيذ الشيك اللي في فيلم "سكّر بنات"، ولا العاملات فيه يشبهوا الستّات اللبنانيات الحلوات الرشيقات الدلوعات في الفيلم، ولا روّاده يشبهوا الستّات اللي بتحب تاخد بالها من نفسها ومن زينتها وعلى طول "على سنجة عشرة".


كتير من المصريّات اللي بيروحوا الكوافير اللي جنب بيتهم بيقابلوا نفس تيمة العاملات اللي أنا شفتهم امبارح؛ الست صاحبة المحل ستّ عادية خالص، لابسة لبس عملي وباهت، ولامّة شعرها أو "قامطاه" بإيشارب صغير، والبنات اللي معاها في المحل إمّا بنات كبار متجوزين يشبهوها في الهيئة، أو بنات صغيرين لسه حابّين يفرحوا بشبابهم، فممكن تلاقيهم لابسين ستريتشات أو جينز وعليهم تي شيرت أو بلوزة، وغالبا كاشفين شعرهم عشان مايتكتّفوش في حرّ المكان. تكاد التيمة دي لا تختلف في معظم "كوافيرات الجيرة"، اللي هي مش أسماء كبيرة ولا مُلّاكها رجّالة. الستّ وبنتها امبارح كانوا الاتنين المتجوزين الباهتين، والبنتين التانيين كانوا من الدرجة الأكثر إشراقا؛ لسّه مشالوش هموم أكبر من زحمة الشغل. وكتير من المصريّات اللي بيروحوا الكوافيرات دي يشبهوا الزّباين اللي كانوا موجودين امبارح؛ بنات صغيرين كتير، وشويّة ستّات في متوسط العمر، وستّات أقل كبار في السنّ. 
البنات الصّغيرة كانوا حواديت صغيرة. كان فيهم واحدة جايّة مع مامتها بتعمل حواجبها لأول مرة، وكانت تعبيرات الدهشة من النتيجة بتتنطّط في عينيها، ممزوجة بالترقّب لردّ فعل مامتها على النتيجة دي، وأمنيتها إن الأم لا تعترض وتقول "رفيّع" وتصدر فرمان إن التجربة دي ماتتكرّرش تاني. لمّا العاملة خلصت نصّ الوش وجت الأم تبصّ على النتيجة، كنت تشوف في عيون البنت نظرات الرجاء والفرحة وهي بتلمس حاجبها وتقول لمامتها "حلو يا ماما؟". لما البنت دي خلصت، وبصّت لوشّها في المراية، وبصّيت أنا على تعبيراتها السعيدة سعادة غير عاديّة، حسّيت إن تهذيب الحواجب ده تحوّل لـ "rite of passage" أو طقس مصغّر تمرّ عبره البنت من مرحلة الطفولة لمرحلة الأنوثة. خلّصت البنت دي، وابتدت بنت مليانة شوية، قعدت في هدوء وخلصت في هدوء، ولا ضحك ولا ردود أفعال إلا من ابتسامة خفيفة بعد ما خلّصت وشافت النتيجة. مفيش زقططة ولا تأملات. كتير من البنات الصغيرة المليانة، لإنهم بيحسّوا أو أهاليهم بيحسّسوهم إنهم دايما في وضع مقارنة مع رفيقاتهم الرشيقات، بيكونوا حريصات أكتر إنهم يحصلوا على نتيجة كويسة عند الكوافير، لكنّهم بيبقوا قاعدين خايفين ومحتارين يخبّوا نفسهم ازاي، عشان مايبقوش مكشوفين لعيون البنات والستات اللي تقييمهم ونقدهم لا يرحم، حتى وهمّ فيهم العبر.  
البنات الصغيرة كانوا بيخلصوا بسرعة، ويجروا على برّه مستعجلين على الحرّية من المكان، ما عدا البنات اللي جاية مع مامتها، واللي كان لازم ينتظروا عشان أمهاتهم كمان لازم يضبّطوا نفسهم. استغربت جدّا إن الأم الصارمة اللي كانت بتراقب بنتها اللي جايّة الكوافير أول مرة، هي كمان قامت تعمل حواجبها بعد بنتها. انطباعي كان إنها واحدة من الستّات اللي شايفة إن عمل الحواجب حرام، وإنها ممكن تكون رضخت لإن بنتها تعملهم كتجربة. معرفش ليه ساعتها فكّرت إن دراسة علاقة الستّات بحواجبها على مر السنين والتحكّمات اللي مورست لقتل العلاقة دي بقواعد الحرام والحلال والمكروه ممكن يكون كاشف لكتير من الحاجات. هي إيه الحاجات دي معرفش، لكن أكيد فيه حاجات ممكن تتكشّف. كتير من الكوافيرات وكتير من الستّات في مصر كانوا وقَّفوا تهذيب الحواجب تمامًا، التزاماً منهم بكلام المشايخ إن ده فعل حرام ويجلب اللعنة. لكن كتير من الكتير دول رجعوا تاني يشتغلوا ويطلبوا ده، إمّا عشان بطّلوا يقتنعوا، وإمّا على أمل إن ربّنا يهديهم بعد شويّة ويرجعوا يبطّلوا. المهم إن الأم خلّصت، وزي ما عملت مع بنتها بنتها عملت معاها؛ جت تبصّ عن قرب على النتيجة، بس طبعا مش بعين المراقبة والنقد، ولكن بعين الاطمئنان والمشاركة. أخيرا البنت بتشارك مامتها تجربة "ستّاتي" خالصة، وتتحوّل التجربة دي لواحدة من "الأسرار" اللي مايصحّش الرجّالة تطّلع عليها.
لكن الستّات التلاتينية بتروح الكوافير على أمل إن رجالتهم "تطّلع" وتاخد بالها من الوشّ المرسوم ومن الشعر المفرود. أصل الجسم الممشوق ده عند كتير من الستّات المصريّات اللي اتجوّزوا وخلّفوا بيصبَح أسطورة من الماضي صعب تُبعث من جديد. شفت كتير منهم بيحاولوا في الجيم، وبيحاولوا مع تنظيم الأكل، لكن الحرب دي شرسة وأبديّة وعايزة نَفَس طويل وتركيز وإمكانيات لا يتوافروا لكتير من الأمهات المصرية، اللي بتعتبر إنه عيب تركّز مع نفسها مدام فيه زوج وبيت وأولاد همّ أولى بالوقت. يصبح الوشّ والشّعر الحلوين هم عوامل الجذب والتباهي الشخصي المتاحة، إلى جانب الشنط والجزم، وإلى حد ما اللبس، اللي  برضه عليه تحكّمات وممنوعات. ده كان حال الستّ اللي خدت الدور؛ ستّ تلاتينية مليانة وجسمها غير متناسق، كانت بتصبغ شعرها، ولسه عايزة تعمل له سيشوار، والدنيا زحمة والستّات كتير وهي مستنّية دورها بتبرّم. كانت هي الوحيدة من الزباين اللي مكشّرة، وقلت دي أكيد من نوع الستّات اللي ماتحبش تستنّى وعايزة الكل يخدّم عليها هي الأول. بعد شوية فهمت سبب التبرّم ده إيه؛ كان عندها طفلين كل شويّة يجوا يقولوا لها بابا بيقول لك هاتخلّصي امتى، عاوزين نروّح، عاوزين نمشي، زهقنا. الست الحقيقة كانت صبورة جدًّا في ردودها عليهم، ولسان حالها بيقول "انتم مستخسرين فيّا ساعتين أعمل فيهم حاجة لنفسي في العيد؟" جوز الستّ دي غالبًا مش هياخد باله من شعرها الناعم الطويل المفرود، ولا لونه الأصفر؛ هو عاوز يروّح يرتاح ويتفرّج على التلفزيون، بس هي بتحاول تحسّن في عوامل السعادة السّهلة، والباقي بأمر الله بقى.
أكتر حاجة كنت مستغرباها بقى كانت الستات الكبار في السنّ، اللّي "وَخَطَ الشَّيْب" شعرهم كله، لكنّهم كانوا حريصين يجوا برضه ويهذّبوا الحواجب، ويتفرّجوا بالمرّة، يا على بناتهم المتجوزين يا على باقي البنات والستات. الستّات دول لا عايزين يبقوا حلوين عشان يتباهوا قدّام أقرانهم زيّ البنات الصغيرة، ولا عايزين يجتذبوا انتباه أجوازهم زي الستات التلاتينية. جايّين ليه؟ عشان جرَت العادة يجوا في الأعياد، وعشان الوشّ المتهذّب ده يظلّ راس مال الست وعلامة إنها مش مهملة (قوي)، وعشان الستّ هي الستّ؛ تحبّ تحسّ إنها جميلة في اللي تقدر عليه. مامتي - اللي هي قرّبت على السبعين - كان نفسها تيجي معايا، لكن لإن حركتها بقت على قدّها وملهاش خُلق على الانتظار بتفضّل تصبغ أو تحنّي شعرها في البيت. لمّا كنت في كندا، كنت باشوف الستّات اللي معدّيين السبعين والتمانين باستمرار حاطّين مكياج وعاملين شعرهم وضوافرهم، زيّهم زيّ البنات اللي لسّه في الجامعة، بل يمكن أكتر، لإن كتير من بنات الجامعة مايقدروش يدفعوا الأسعار الخرافية للكوافيرات هناك. زمان أيّام المثالية والجوهر والمضمون كنت باشوف التصرفات دي تفاهة وقلّة عقل و "vanity" ملهاش لازمة وتسليع للمرأة، إلخ من هذا الهذيان. دلوقت أنا في عرض إنّي ألاقي كوافير جنب منّي يعمل لي مانيكير وپاديكير كويسين ويقص لي شعري قصة حلوة. كل ستّ في الآخر بتدوّر على عوامل التجمّل اللي بالنسبة لها تدخل في إطار "المضمون". 
أما نجوم الليلة الحقيقيّين فكانوا البنات العاملات. الستّ وبنتها، بما إنهم أصحاب البيزنس، كانوا بيشتغلوا في صمت، وكانت البنت تحديدا تبان شايلة هموم كبيرة، اتّضحت في الآخر إنها مُرَكَّزة في كيان صغير هو بنتها الشقيّة، اللي كانت بتحوم في المكان وبتعيّط طلبًا للاهتمام من مامتها وجدتها. لكن الأم والجدّة كانوا بيشتغلوا بإيديهم ورجليهم عشان ينجزوا الزباين اللي عمّالة تزيد وابتدت تزهق. الأمّ العاملة كانت بتحاول تهدّي بنتها وتسايسها عشان تسكت، على أمل إنّ الأب جاي كمان شويّة وهياخد البنت الصغيرة. العاملتين الصغيّرين بقى كانوا أهدى بالاً وأقل همًّا، وبالتالي كان عندهم القدرة يضحكوا ويهزّروا، مع الزباين شويّة عشان يصبّروهم على الانتظار، ومع الطفلة الصغيرة شويّتين عشان يشتّتوا انتباهها عن مامتها، ومع بعضهم تلات شويّات عشان الشّغل يهون. كل شويّة كانت واحدة منهم تسيب الزبونة اللي تحت إيدها وتشيل البنت الصغيرة تفضل تحضنها وتلفّ بيها وتبوس فيها، بعدين تنزّلها وتكمّل شغل، وشويّة والعاملة التانية تكرّر نفس الحكاية لمّا تلاقي البنت ابتدت تزنّ تاني. كلّ ده وهمّ واقفين على رجليهم من بعد الفطار، من غير ميّة ومن غير راحة ولو ثانية، ويدوبك قدروا يشربوا قهوة عملتها لهم أمّ واحدة فيهم كانت قاعدة بتساعد الستّ الكبيرة صاحبة المكان. والساعة عدّت، ووراها ساعة، والعاملات دول واقفين بيخلّصوا ستّ ورا بنت ورا ستّ، وابتدت رجليهم تكلّ بيهم، وابتدوا لمّا يمشوا يتوجّعوا ويحنوا ضهرهم، لكن فضلوا يهزّروا ويضحكوا ويجرّوا كلام مع بعض ومع الأم الصغيرة المتجهمة عشان يهوّنوا عليها ومع البنت الصغيرة عشان يفرفشوها، لحد ما أخيرا أبو البنت جه عشان ياخدها، والبنت بقت تلفّ المحلّ تودّعهم واحدة واحدة وترفع لهم خدّها عشان يبوسوها وتقول لهم إنها هاتمشي صحيح بس جايّة بكرة. أول ما البنت مشيت، انفرجت أسارير الأمّ، وابتدت تهزّر وتضحك مع البنات ومع الزّباين اللي تحت إيديها، كإنّ بنتها كانت همّ وانزاح. آه، أحيانا كتير الأمهات بتكلّ بولادها وبتتمنّى حد ياخدهم من إيديها عشان تشمّ نفسها شوية وترتاح مؤقّتًا من القلق القاتل اللي بيخلّي عينيها تفضل في وسط راسها. لمّا جه دوري في الآخر وقعدت تحت إيدين هذه الأم الصغيرة، سمعنا في وسط الدّوشة زبونة بتتوعّد حد من ولادها إنه لو مابطّلش شقاوة "هاتعجنه"، وساعتها الأم الصغيرة همست لي "يعني مش أنا لوحدي اللي باعجن أهو". كانت نبرة الهمس فيها إحساس مكسور. هي مش حابّة "تعجن" بنتها ضناها، لكن غصب عنها. ياترى الأمّ الصغيرة دي هاتلاقي وقت لنفسها هيّ كمان عشان تتجمّل وتعيّد؟
هاتفضل الستات هم مصدر البهجة في هذا الكون المليان أسئلة وجودية وأزمات وأعباء وواجبات. مش بسّ الستّات الحلوين، لأ وكمان الستات العاديين خالص، اللي لا همّ نجمات جميلات زي سكارليت جوهانسن، اللي هيّ مبهجة برضه، ولا همّ مثال الرشاقة والفتنة. ستّات عادية، بهمومها، وأعباءها، وعيوبها، وولادها، لكن لسّه بتحاول تتجمّل على قدّ مقدرتها وفي أزحم اللحظات، ولسه قادرة تفرح وتنشر الانبساط، في المناسبات والأعياد، وفي كل مكان. 

Wednesday, August 30, 2017

ليلة نمطية مع القطط الثلاثة

أقرر أن أنام مبكراً. لدي غدٌ حافل يبدأ باكراً جداً.
أستقر في السرير، و"أفرّ" الفيسبوك أملاً أن يغلبني النوم من الملل. تأتي قطتي "قوطة" لتنام بجانبي كما اعتادت كل ليلة. هي تَغِير جداً من القطتين البيضاوين اللتين آويتهما من الشارع. هما أيضا يأخذان مواضع معتادة حولي كل ليلة. "لولا" العاقلة الرزينة تتمدد صوب قدميّ. يحلو لها أن تعضّ أصابع قدمي حتى تنام. أستخدم جسم "لولا" الدافيء الناعم لتدفئة قدمي وخلق إيقاع رتيب من العضّ والمسح. أما أخوها الولد الدلّوع، واسمه "كُهن السيد مُحن"، و "السيد" ليس اسم أبيه، فأنا لا أعرف لهما أباً ولا أماً، فيحلو له أن ينام على المخدة حول رأسي، إذ أنه يحبّ أن يُداعب شعري حتى ينام. يتمدد "كُهن" بطول المخدة ويحيط شعري بأربعه، ويبدأ في القرقرة التي تُنبيء عن الاستقرار والسعادة. لا ينسى الحقير أن يمدّ رأسه بين الفينة والأخرى إلى حيث يستقرّ رأس "قوطة" النائمة في سلام، إذ ربما تصحو فتضربه على قفاه كما اعتادت، وتطرده من السرير. هو يحب هذه المناوشات والمناغشات، وأكاد أراه سعيداً وهو يقف مستسلماً بعد أن تضربه "قوطة" على قفاه. 
يحب "كُهن" أن أحمله وأحضنه؛ هو لا يخاف من الحميمية، ويستمتع بالدلع الذي نسبغه عليه. أما "لولا" فلا تحبّ. "لولا" متباعدة، تحتفظ دوما بمسافة من كل مخلوق، وتبدو مستقلة ومعتدة بنفسها، رغم ما تكشفه عيناها في لحظات خاطفة من رغبة في القرب وفي أن يغمرها أحد بالدلع. لا أستغرب التباين في شخصياتهما، إذ أنه ظهر لي منذ اليوم الأول الذي وجدتهما فيه. أكثر من ثلاث شهور مرت منذ ذلك اليوم. ظلت "لولا" تموء وتصرخ أياما حتى عرفنا أين هي. كانت في حالة مزرية حقا؛ عينان مغلقتان تماماً من الصديد وجسد هزيل تماما ومثقل بالأوساخ والحشرات، وما أن دعوتها لتأتي إليّ من وراء الباب الحديدي حتى ظهر "كُهن"، وكان في كامل أُبَّهَتِه. الحياة غير عادلة حقا، ولكن "لولا" أنقذت نفسها وأنقذت أخاها في النهاية، وها هما يثيران الشغب والصخب في النهار والفجر وينامان حولي في الليل
أحياناً يجتمع "كُهن" و "لولا" على طرف الغطاء، التي أستخدم طرفه الآخر لأحمي به نفسي من أظافرهم التي تشبه مئات الإبر، ويبدآن في محاكاة فعل الرضاعة من القطة الأم. تأخذني الشفقة بهم؛ لقد كبروا وأكلوا الأخضر واليابس، ولكن هناك ركنا ضائعا من حياتهم يفتقدونه، ويمارسون طقوسه في إصرار رغم مضي الوقت الكثير.
وأنا أستغرق رويداً في النوم، يغمرني سلام غريب وأنا محاطة بالقطط الثلاثة. واحدة تغير عليّ، وواحد يداعب شعري ويوفر خلفية صوتية رتيبة باعثة على الاسترخاء، وواحدة تدفيء قدميّ. ليس هناك حبّ أفضل ولا أشمل من هذا. 

Thursday, March 30, 2017

صحبة الطريق

تخرج بنا السيارة من الاسكندرية، فأتذكر أول مرة خرجت فيها من الإسكندرية. عند ذلك الجزء من الطريق الذي يسبق بداية الطريق الزراعي، امتد الأفق مفتوحا أمامي بلا عوائق؛ سماء زرقاء صافية، وسحب بيضاء صافية. شتّان بين تلك اللوحة المشرقة البديعة وبين الأفق اليوم. يمتد الأفق أمامي الآن ونحن نقترب من غروب رمادي يخلو حتى من روح الشتاء. أفق باهت، بارد، يستدعي بإلحاح تلك الرغبة في سماع أغان من مفضلتي السوداوية. أسحب الهاتف وأسدّ أذني بالسماعات، وأغرق في تفاصيل الطريق تتكشف على كلمات الأغاني. يبدو لي كل الناس في تلك اللحظات وكأنهم في تصالح مع العدمية، وحماس للموت. المشاة العابرون، وراكبو الموتوسيكلات، وسائقو السيارات، وسائقو الشاحنات، وحتى الواقفون المتفرجون على جنبات الطريق. كلّهم يتحرك في طَيْشٍ يستدعي الموت ويهرب منه. على موتوسيكل يمرّ بجانبنا تحمل امرأة رضيعها على ذراع، وبذراعها الأخرى تتشبّث بزوج يتشبّث بذراع الموتوسيكل. يمرّ توك توك بتهوّر بجانب شاحنة، في تماسّ مع الموت لا يتحقق أبدًا. نسبقه فأجد فتاة تجلس بجانب السائق، وثلاثة في المقعد الخلفي، والكل يخرج أقدامه يؤرجحها في الهواء، لا يبالي إن أطارتها سيارة مسرعة. تَعْبُر امرأة الشارع دون أن تلتفت إلينا. نحن تمامًا في مجال رؤيتها؛ أكاد أرى انعكاسنا في ذلك الجزء من حدقة عينها البيضاء الذي يواجهنا خاليًا من المبالاة، ويكاد أن يكون خاليًا من الحياة ذاتها. تَعْبُر بخطوات واثقة، مُثبِّتةً صفحة وجهِها صَوْب شيطانٍ مريد يقبع مختبئًا على الجانب الآخر للطريق. أخافتني عينا تلك المرأة؛ ربما يتنكّر الموت في هيئة عينين بيضاوين تكشفانك في مجال رؤيتهما دون أن تهتمّا بالتحديق فيك حقًّا. أحدّق أمامي بعد وقت فَأَجِد المنظر المألوف لشاحنة ضخمة، بعينين حمراوين، وخطوطُ الزينة الخضراء تومض على جوانبها الأربع. تسحرني فكرة لا تفتأ تراودني كلما ارتحلنا على طريق؛ أن نصطدم بشاحنة وينطفيء كل شيء فجأة. نهاية تليق بطريق عبثي، وعلى شرف تلك الخاطرة ها هي أغنية أخرى تُضفي المزيد من أجواء الرومانطيقية على النهاية الشعرية. تتجمع خطوط تدوينة تريد أن أكتبها عن هذه الساعات في ذهني وأنا أحدّق في ظهر الشاحنة. هل يتحقّق الخيال وتبتلعني عيناها؟ هل إنْ حدث ذلك صرتُ حادثًا عشوائيًّا بائسًا ثم أُنْسى كالكثيرين مِمَّن ابتلعهم الطريق ثم نسيهم؟ هل تضيع خيوط التدوينة دون أن تُكتب؟ ربما تأخذ الطريق بي شفقة ويكتب تلك التدوينة فلا تضيع في هذا الأثير المظلم الكئيب. وددتُ لو أني أحيا بعد الموت دون أن أحتك بالحياة؛ أن أبقى متفرجة، فأرى ما يفعل الناس من بعدي، وكيف تستمر الحياة بدوني، لأن الحياة تستمر بدون الأموات. ولكن هل تستمر الحياة الآن بي؟ أحاول أن أتخيل قصص حَيَوَات الناس من حولي؛ الساكنين في البيوت المشرفة على الطريق، والسائرين نيامًا، والسائقين، والواقفني. أتسائل كيف يمكن أن يتحمل عقل التفكير في التفاصيل الصغيرة للمآسي والأفراح التي يعيشها كل إنسان، في النوايا والهواجس التي يحملها كل إنسان. أحاول أن أتخيل الله مُشرفًا بعلمه على كل هؤلاء ومن سبقهم، فيعجز عقلي عن تخيل طريقة فعالة للإلمام بكل هذه التفاصيل دون أن يُجنّ من الحزن والغضب والقهر، دون أن يطير من الفرح والبهجة. أقرّر أن أنسى، أن لا أهتمّ. كل هؤلاء يَحْيَوْن ثم يموتون. حتى نهاياتهم لا تليق بالحياة؛ يكون الواحد منهم ملء سمع وبصر أحِبَّتِه، ثم ينتهي فجأة بلا إنذار أو تنبيه، ويكون الواحد منهم تافهًا لا يهمّ، وينتهي نهاية درامية تجعل منه بطلًا. تهبنا الحياة نهايات متنوعة، ولكنها لا تليق بكل الحيوات. أتخيّل أن العدل يُحَتِّم أن ينال العِظام نهايات عظيمة، وأن ينتهي التافهون بلا ضجيج، ولكن ما أدراني أن هذا هو العدل؟ يمرّ على يميني قطار، فأتذكر كيف أخبرتني صديقتي عن ابن عمتها الذي عبر شريط القطار بعد موعد عمل، فباغته القطار بأن أطار رأسه. هذه نهاية درامية حقًّا، ولكنها تتكرر كثيرًا حتى أصبحت غير ذات حيثية في الذاكرة. لماذا يستمر الناس في عبور شريط القطار رغم أن القطار يطير الرؤوس؟ أحدّق أمامي ثانية فأرى أن الشاحنة اللعينة لا تزال أمامنا. يتحول العالم كلّه إلى تلكم العينين، تسحرني؛ تصبح كُلَّ الدنيا، حمراء في خضراء. ربما يتنكّر الموت في هيئة جماد لِيَضحك علينا؛ يكاد يُلَعِّبُ حواجبه الخضراء مذكرا إيّاي أنه لا يجيد إلّا لُعبة الحظ. تنقلب سيارة بعائلة فيموتون جميعا، ويبقى بائعو السمسمية الذين يتقافزون بين السيارات. هل يسألون أنفسهم وهم يتقافزون عن جدوى حياتهم والوجود؟ يختار الموت أناسًا لهم أحلام وعائلات وأقساط يدفعونها وأعمال يتبرمون بها، ويختار أناسا لا يمكلون الأحلام. يختار الموت كل الناس، فهو لا يختار حقًّا إلا بالنسبة لنا. ربما اختيار الموت الوحيد هو في حجم الفاجعة التي يحب أن يتركها وراءه. ما الذي سَيَنْقُص من هذا العالم إذا ما مات حلم؟ إذا ما ماتت تدوينة؟ تمرّ بجانبي سيارة من سيارات الربع نقل، حيث يجلس في الخلف رجل ومجموعة أطفال. يقف طفل فضولي مستندا على دعامة السيارة. يقفز بجسده في الفضاء المفتوح مع حركة الطريق. يقفز قلبي رغما عنّي. اللعنة! لماذا لا أزال أهتمّ؟! ينظر إليه الأب هُنَيْهة ثم يأمره بالجلوس في ضجر يكاد أن يكون مرحًا. أنظر إلى الأب ونحن نتجاوزهم. ينظر إليّ ولا يرمش له جفن. نقترب من الشاحنة ذات العيون الحمراء. يضغط السائق الفرامل ليهديء من سرعة سيارتنا، فأضغط أنا بقدمي اليمنى على بدّال بنزين وهميّ. أغمض عيني على العيون الحمراء والخطوط الخضراء. أَسْرِع! هيّا! ينتهي حينها كل شيء فلا أعود أفكّر في كل هذا العبث والجنون! لا أعود أفكر في تدوينات لم تُكتب، وأعمال لم تُنجز، وقلب لم يُعشق، ومآسٍ لم تجد من يحزن لها. لا أهتمّ أن تنالني المنايا خبطَ عشواء. خبط عشواء! لله درّ أبي سُلمى؛ لابد وأنه زار المستقبل يومًا وسار على طريق ما. أفتح عينيّ أخيرًا فأرى أننا تجاوزنا الشاحنة. لقد تجاوزني الموت العابث هذه المرة كما فعل في مرات عديدة. إلى اللقاء إذاً في مرة قادمة.

إن هذا العالم مجنون، وربما نسيه الله حقًّا.


Wednesday, March 8, 2017

جِدِّي العزيز

جدّي العزيز، "جدّ ميرفت" زي ما كنت بتحب تمضي جواباتك

رغم إني معرفتكش في حياتك يا جدّو، إلا إنك مش هاتتخيل قد إيه واحشني ونفسي أشوفك وأقعد معاك. واحشني جدّو اللي عرفته من جواباته وعرفته من كتبه. فاكر يا جدّو جواباتك اللي كنت بتبعتها لأهلي في الغربة؟ أنا أرشِفْت الجوابات دي، وضمّيتهم بين دفتين دوسيه محترم في دولابي، وكل فترة لازم أطلّعهم وأقراهم، علشان أفضل فاكراك، وكمان علشان أفضل فاكرة أنا كنت إيه في عينيك وفي قلبك. أنا كنت حدّ اتحبّ، وتغريبتي وجعت حدّ. عرفتك يا جدّو في جواباتك، اللي سكبت بين سطورها حتّة من روحك المعذبة بالفراق والقلق والوَحْشة. كنت انت في وَحْشة وكنت أنا في وَحْشة. وحشتي زمان أصبحت جزء مني، ودلوقت بتتبدِّد كل ما أمسك جواباتك، وأقرا فيها اللي كتبته عني، ويعزّيني إنك كنت بتفتكر ميرفت الصَّغِيرة تقوم وحشتك تتبدّد ولو قليلاً. فَرَق معايا فوق ما أقدر أوصف يا جدّو إنك كنت حاسس بهشاشة الطفلة الوحيدة مع أم وأب مطحونين في الشغل. حسّيت ووصّيت، وشدّدت في السؤال وشدّدت في الوصاية. كنت ملء قلبك وتفكيرك زمان، وانت دلوقت باستمرار في قلبي وفي تفكيري، بس انت شفتني، وأنا ماشفتكش. انت لحقت أيام سعادة من عمر الزمن اللي بيننا، وأنا مليش غير الجوابات أتخيل منها مقدار السعادة اللي كان ممكن تنعم بيها عليّا. قاسي جدّاّ يا جدّي التفكير في الفرص الضائعة والسعادة الفائتة اللي بيسرقها منا الزمن ويلوّح لنا بيها علشان نقاسي مرتين؛ مرة بِفَوات السعادة، ومرة بإدراكنا لوجودها ..


يا ترى لو كنت وعيت عليك وعشت معاك كنت هاحبّك زي ما حبّيتك من جواباتك؟ مَحَبِّتك الغامرة اللي بتنطق بيها كلماتك، واهتزاز صوتك اللي لم يخجل إنه يِنْكِسِر مستعطفاً أهلي إنّهم يسيبوني معاك، بيقولوا إنّي أكيد كُنت هاحبك، بسّ أنا لعينة يا جدّي؛ ممكن جدا لو كنت نعمت بِمحبّتك وحنانك كنت أشوف نفسي ومحدّش يقدر يكلمني. ممكن جدا مكنتش أبقى أنا، بكل مشكلاتي وعقدي وأزماتي الوجودية؛ كنت بقيت بنت دلوعة وحلوة ومحدّش كان يقدر يستحملني. أنا، بسبب مشكلاتي وعقدي وأزماتي الوجودية وبالرّغم منها، مُحْتَمَلة يا جدّي. بس الجزء الغير لعين مني حاسس إني كنت هابقى إنسانة سويّة ومتفتحة للدنيا والناس ومش شايلة لهم همّ؛ إنسانة بمشكلات بسيطة وعُقد سهل تِتْفَكّ وأزمات وجودية تحلّها قعدة معاك تنوّرني بفيض حِكمتك.




صغيرتك، "مهجة قلبك ومنية نفسك"، "العزيزة الغالية الخفيفة الذكية" تِعْبِت كتير يا جدي، وكان نفسها تكون موجود علشان كانت تقدر تترمي في حضنك وتعيط وهي واثقة إن محبّتك ليها هاتطبِّب جروحها الصغيرة. زيّ ما انت اشتكيت لأهلي من وحدتك بعد ما سبتكم، أنا كمان فضلت وحيدة كتير يا جدي، وعلى قد ما وصّيتهم يبعدوني عن الشبابيك، مكانش ليّا رفيق لِسِنين طويلة غير الشبابيك؛ أبصّ من وراها في الطفولة الأولى على دنيا فرحانة وأتمنى أفرح زيّها، وأبصّ من وراها في المراهقة على ولد يعجبني وقلبي له يدقّ. يا ترى يا جدي لو كنت حكيت لك كنت هاتفهم وتضحك وتقول لي ده عبط يا بنت وبكرة تكبري وتتجوزي سيد سيده، والّا كنت هاتغضب وتخاصمني؟ أنا مخرجتش بره الشبابيك يا جدي؛ بيتهيأ لي إني لحد دلوقت لسه محبوسة جواها، لسه باتفرّج ع الدنيا من بعيد، ولسه مستنية ولد قلبي له يدقّ. 


كإني لما كنت معاك يا جدّو كنت ممكن لو شفت قطة أناديها وأحاول أنط من البلكون؟ تخيل يا جدّو إني لحد دلوقت لسه فيّا الداء ده؟ لو كنت كبرت معاك يا جدّو زيّ ما اتمنيت كنت هاتحايل عليك تجيب لي قطة، وكنت ألعب معاها وانت معانا، ونضحك كلّنا في بهجة خالصة لِوَجه الحياة الحلوة الهنيّة. في وحدتي هناك مش بافتكر نفسي وأنا باضحك يا جدّو. يبدو لي إنّك الوحيد في الدنيا يا جدّي العزيز اللي أشفق على وحدتي وسط الكبار، ولكن يعزيني إنك قاسيت من الوحدة زيي، وإنها لتعزية قاسية جدّاً؛ إنّي ممكن أتوّنس بمآسي الآخرين. كنت انت وحيد في شقّتك، بتفكر أنا عايشة ازّاي، وكنت أنا وحيدة في بيت غريب، معرفش الأطفال الطبيعية بتعيش ازّاي. كنّا احنا الاتنين أشقياء بوحدتنا، لكن أنا أخدت وقت علشان أُدرك، وانت عشت الألم كامل أيام وسنين. جواباتك عرّفتني إنّك عشت آلامك وعشت آلامي بالنيابة عنّي. معلشّ يا جدّي، ياريتني كنت أقدر أبعت لك فرفشة من هنا للعالم الآخر.. طيب تعرف يا جدّو إنّ لمّا لساني بدأ ينطلق بالكلام كنت باغنّي تِتْر فوازير "الخاطبة" وحافظاه صمّ؟ أنا متأكدة إنّك كنت هاتحب تسمعني باغنّيه ياجدي، وكنت هاتصقف وتغني معايا كمان! أصلك قلت عليّا "كَرَوان" لما سمعتني في شريط الكاسيت. كنا هانغنّي "الخاطبة" سوا يا جدّو، والقطّة بتلعب حوالينا، ونضحك كلنا في بهجة.


ياترى ممكن يكون انطباعك إيه يا جدّي عن ميرفت الكبيرة؟ كنت هاتحبها برضه وماترضاش بصحبتها بديل؟ التاريخ بيقول إننا كنا ممكن نصطدم في وقت من الأوقات؛ انت راجل مستقر في تقاليدك ومطمئن في قناعاتك، وأنا واحدة قَلوقة مُستَنْفَرة للاعتراض عند أي تحدّي. بس برضه يا جدو ممكن تعجبك حاجات في ميرفت الكبيرة. تعرف يا جدّو إني باكتب؟ على قدّي يعني، ساعات بالفصحى اللي بتحبها، وساعات بالمصري اللي كنت بتستخدمه لما قلبك يفيض بمشاعره، وساعات بالانجليزي. كنت أحب يا جدّو لو تقرا اللي باكتبه، وتقول لي رأيك، وتصحّح لي اللغة، ونتناقش في الصياغة وفي الأفكار. يا ترى كنت هاتفضل على رأيك في كلماتي "العذبة اللطيفة الرشيقة"؟ وهل فعلاً أنا كنت أحفظ "قاموس شتائم" يا جدو؟ 😄 أطمّنك بما إنّك سألت إنّي لم أنس شيئاً بل أمتلك قاموس شتائم هايل بيزداد ويتوسع كلما امتدّت بي الحياة وشفت منها ما يغيظ ويفرس. أفتكر يا جدو كنت هاتضحك لما تسمعني باشتم وأنا غضبانة على الدنيا واللي فيها، لكن يجوز برضه إنّي كنت أتهذّب بفضل توجيهك ليّا، وأتسامح مع الدنيا وساكنيها بفضل محبّتك ليّا. 

كنت أحبّ كمان لو تسمح لي أكتب لك اللي يخطر على بالك علشان ماتتعبش نفسك. نقعد سوا في أوضة مكتبك اللطيفة، تقعد انت على كرسي الصالون اللي باحبه، وأقعد أنا ورا المكتب، تملّيني وأنا أكتب. كنت باحب الأوضة دي قوي يا جدّو. غير باقي أوض الشقة اللي كان فيها حميمية، أوضة المكتب دي كنت باشوفها محراب علم وتأمّل، وبوّابة للماضي مش أي حد يقدر يعبرها. لمّا كنت أزور تيتة، وتدخل تنام وقت العصريّة، كنت أنتهز الفرصة وأدخل الأوضة بشويش، وأفضل أمرّ بأطراف الأنامل على المكتب، وحروف كنب الصالون، وأقف قدام المراية المتعلّقة في نصّ الحيطة، وأبصّ على نفسي، وأبصّ على صورتك اللي متعلقة جنبها، ويتهيّأ لي إنّي لو وقفت هناك ساكنة بما فيه الكفاية، بوّابة العبور للماضي هاتفتح لي، وهابصّ ألاقيك هناك ورايا، جنب المكتبة.

المكتبة دي يا جدّو حدوتة.



قد إيه كنت باحب المكتبة بتاعتك يا جدّي، كانت كتبك مرصوصة على الأرفف الخمسة بأناقة وترتيب، بأغلفتها الأنيقة المتناسقة، وإسمك المطبوع عليها بِمَيّة الدهب، واللي كان في آخره اللقب اللي أمي مابتحبّوش، وريحتها؛ ريحة الكتب الكلاسيكية اللي نَعِمت بكل عناية واهتمام. كتب كما الخمر الفاخر المُعتّق في قبو قديم. تعرف يا جدّو إني كنت باخاف أمدّ إيدي على الكتب دي عشان ما أبهدلهمش؟ أول مرة لمست فيها الكتب دي كانت بعد وفاة تيتة الله يرحمها، لما الإخوات قرّروا يبيعوا المكتبة بمحتوياتها. قرّرت أشتريها أنا، وكان أسهل قرار خدته في حياتي. كان قرار بديهي مش محتاج حسابات، مش بس علشان أنا باحب الكتب، لكن كمان ده كان الإرث الوحيد اللي فاضل لي منك. طبعاً أنا باعتذر لك يا جدّي إنّي اضطّريت أنقل الكتب في صناديق كتيرة من القاهرة لبيتنا. كنت أتمنى لو أقدر أنقلها في بيتها الخشب اللي انت اخترته لها وفِضْلت فيه سنين مُعزّزة مُكرّمة، لكن ما باليدّ حيلة. نقلتها في الكراتين، وفضِلت ساعتين على الطريق أتخيل اللحظة اللي هاوصل فيها وألمس الكتب دي أخيراً. تعرف يا جدّو إني ماقدرتش أستنّى وفتحت الكراتين وبدأت أرتّب الكتب لمجموعات وثيمات؟ عارف قدر السعادة اللي ملا قلبي وعقلي طول الليلة اللي فضلت أرتّب فيها الكتب دي؟ 



كنت بافتح كل كتاب، أقرا منه صفحتين، أشمّ ريحته، أدوّر على أيّ حاجة تكون كتبتها في مقدمته أو هوامشه، أي رسالة تكون سبتها لي، أي جواب تكون بعتتهولي على أمل إني أقراه في المستقبل. طلعت بتحبّ تكتب في الهوامش يا جدّو! أنا كمان باحبّ أعمل كده. احنا الاتنين يا جدّي عارفين إن الكتب دي مِلكيّة مُقدّسة، وإنّ الكتابة في الهوامش علاقة شخصيّة جدا بين الإنسان والكتاب، علشان كده مش هاكتب في هوامش كتبك يا جدّو، وإن كنت هاسمح لنفسي إني أتطفّل على علاقتك بيهم، وأفهم إيه اللي كان بيلفت نظرك لدرجة إنك تشتبك معاه بالكتابة. 


قضيت ليلة سحرية بين أغلفة وصفحات كتبك، واتهيّأ لي إن البوّابة وقتها اتفتحِت، وعدّيت منها وقضيت الليلة معاك وسط الكتب بنرتّبها. ليلتها اعتذرت لكل كتاب فيهم وأنا باتعرّف عليه عن البهدلة اللي شافها في رحلته من طنطا للقاهرة للمحلة، ورتّبتهم في مكتبتنا المتواضعة، ووعدتهم، وباوعدك، إني هاحافظ عليهم، وأقراهم، وأحفظ جوارهم الكريم. مكتبتك الجميلة يا جدّو في عينيّا، ماتخافش عليها، وكل ما آخد منها كتب أقراه، هاختار منه الأجزاء الحلوة وأقراها لك بصوتي "الموسيقي الجميل".

صحيح يا جدّو نسيت أسألك، انت قريت كلّ الكتب دي؟ قريتها كام مرة؟ زمان كنت باقرا الكتب اللي تقع تحت إيدي مرات ومرات. دلوقت أنا كسولة ومش قادرة أخلّص الكتب اللي عندي. أنا برضه يا جدّو باشتري كتب وبأؤسس لنفسي مكتبة على قدّي، بس أنا لسّه موصلتش لمرحلة إني أعتني بكتبي وأغلّفها وأنقش إسمي على كعبها بمية الدهب. أكيد هايجي اليوم اللي فيه أكون قريتها كلها، وماتخافش، أنا مش هانسى وعدي ليك إني أقرا كتبك. طبعا أنا مجمّعتش مجموعتي ومجموعتك في مكان واحد! إش يوصّلني إني أجمع اختياراتي المتواضعة بمجموعتك الثمينة من أُمّهات الكتب. يا ترى يا جدّو كان هايبقى رأيك إيه في اختياراتي؟ ياريت كنت أقدر أتكلم معاك عن الكتب اللي قريتها، وأسمع منك عن الكتب اللي قريتها انت. أعتقد إنك الوحيد اللي كنت مش بس هاتفهمني، لكن كنت هاتتحمس معايا للنقاش في اللي قريناه. ياه يا جدو .. قدّ إيه كنا هاننبسط بوقتنا مع الكتب.

جدّي الحبيب، أنا معرفش عبد الستار موجه التربية والتعليم، ومعرفش عبد الستار الأب والزوج؛ أسمع عنهم بس. يمكن القريبين منك واللي عاشوا معاك وعاشروك كانوا شايفينك قاسي شويتينو عرفوك بصورة مختلفة عن اللي في خيالي، ويمكن يستنكروا في سرّهم رومانسية الصورة اللي ليك في خيالي، وأنا أتفهّم تماماً لو استنكروا. لكن أنا ماشفتش، وماقريتش، وماسمعتش منك غير كل عطف صادق وحنان جمّ، لو كنت نعمت بعُشرهم كنت يمكن بقيت إنسانة تانية، قادرة أحب الدنيا وأحب نفسي، يمكن مكنتش اهتميت بالقسوة اللي شفتها من ناس كتير، مدام كنت دايماً هاقدر ألاقي محبّتك الفيّاضة تغمرني ولو من حين لحين. أما وإنّ الأقدار كان ليها تصريف تاني، فمليش عزاء عن كل هذا العطف المفقود غير في أحلى حاجتين اتفضّلوا لي من ريحتك: لطائف جواباتك، أقراها وأبكي، وأضحك، وأتعزّى بإن فراقي قطع بيك زي ما قطع بيّا إني ماوعيتش عليك ولا إن القدر أسعدني بجوارك؛ وكتبك، أصاحبك فيها، وأونسك في أبديّتك بإني أقراهم لك في وقت ما، ولعلّه يكون قريب. 

حفيدتك المحبة، ميرفت
2017


Saturday, March 4, 2017

من الأقصر إلى روما والعودة

كم تتشابه الأماكن، وشتان ما بينها.

في لحظة فارقة في الزمن ومنه، قررت العام الماضي أن أسافر إلى الأقصر وأسوان لمدة أسبوع، أهرب فيه من ضغوط كادت أن تقضي على ما تَبَقَّى من سلامي النفسي الهشّ. كنت قد عزمت أشد العزم أن أكتب عن رحلتي تلك بعد عودتي من هناك، والتفاصيل لا تزال حيّة في مخيلتي، والإحساس بالمكان لا يزال طازجاً، ولكنّ السلام النفسي الهشّ ازداد بُعداً عن المنال، وحالت أمور كثيرة بيني وبين قدرتي على استحضار حالة الكتابة مدة لا بأس بها من الزمن. وقر في صدري أنّني مهما حاولت أن أصوغ تجربتي في كلمات فسيكون أيّ ما أكتبه غير ذي معنى، تماما كما اعتقدتُ صادقة أنّ الصورالتي التَقَطْتُها ونَشرْتُها لم تفِ المكان مقدار عُشر من عظمته. لا بد أن ترى لتعرف.

ثم مرّت شهور لأجدني في طريقي إلى روما على شرف رحلة لحضور مؤتمر. في روما قضيت أسبوعا، استقطعت منه يوما لزيارة فلورنسا، وكما حدث في الرحلة الأولى، عدت من هذه الرحلة أكثر هشاشة وعجزاً. وجدتني أقنع نفسي أن التجربة لابدّ لكي تظلّ حَيّة في مخيلتي أن لا تتجسّد في كلمات. كانت الكلمات تراودني عن نفسي أحيانا، ثم تتسرّب من بين يديّ رافضة أن تسكن الورق. أردت في أوقات كثيرة أن أحتضن كل من زاروا تلك المدن من معارفي، وأدركوا، وفهموا، علّ هذا يكون عزاءً لي عن عدم قدرتي على الكتابة.

أجزم أن هذين الأسبوعين هما كل ما عشته حقّاً في السنة الفائتة. كانت السنة امتدادا من الظلام القاتم، فيما عدا تلك الأيام القليلة التي قضيتها بين باحات الأعمدة وشواهد المقابر والمباني العتيقة والمتاحف المفتوحة والمغلقة أمام الجداريات واللوحات.

في باحة الأعمدة في معبد الكرنك بالأقصر وجدت سلاما، وفي باحة قصر پامفيليچ في روما وجدت سلاما، وبين أعمدة معبد إدفو بأسوان وجدت سلاما، وفي ممرات كاتدرائية سانتا ماريا نوفيلا في فلورنسا وجدت سلاما. بين تلك الأعمدة والباحات والممرات المزدانة بالصمت وترديد العصافير وجدتُ السَّكِينةَ والفرصة في الاختباء من الناس ومن هواجسي. أتذكر لحظة اللقاء الأولى. أتذكر كيف انحبست أنفاسي، ليتبعها نفس طويل عميق، ثم سلام غامر دافيء. لا بدّ وأنّ هذا هو ما يشعر به المرء عندما يعترف لنفسه بأنه وجد الحب الذي يشبع روحه. كنت أدور بين الأعمدة وأمشي في الممرات وأُشْرِفُ على الباحات، ليس كطفلة صغيرة مرحة تقفز حول أماكن جديدة، ولكن كامرأة تستكشف أركاناً في نفسها ظلت خبيئة الزمن أعواماً طوال. وراء كل عمود كنت أجد قطعة من سلامي الهشّ، ذاك التائه الذي ظلّ يتسرب مني، وكلما انتهيت من مكان لملمت القطع وضممتها إلى ركن من قلبي، واعدة إياها بأن أعيدها قريباً سالمة إلى الكلّ؛ أَسيرِ الحياة التي تجري ولا تتوقف. ربما هذا ما لأجله لم أرد أن أكتب قبل اليوم؛ كنت سأكتب قبلا لأروي، والآن ربما آن الأوان أن أكتب لألملم شتات النفس وأعيد كل قطعة من تلك الأماكن لموقعها الصحيح في نفسي.
 
باحة الأعمدة بالكرنك - الأقصر (تصويري)

أعمدة معبد إدفو - أسوان (تصويري)

باحة قصر پامفيليچ - روما (تصويري)

باحة في كاتدرائية سانتا ماريا نوفيلا - فلورنسا (تصويري)

عندما رأيت باحة أعمدة الكرنك لأول مرة، وخفق قلبي وأخذت ذلك النفس العميق، ابتسمت هازئة من نفسي أن أنكرت عليها رؤية المكان قبل ذلك اليوم. كنت أمشي بين الأعمدة كما تخيلت أن الكهنة لا بدّ وأن مَشَوْا. في البدء أردت أن أصرخ في الزوار الذين كانوا يسيرون حثيثا لِيَرَوْا كل شيءٍ في المعبد ويضعوا علامة "صح" أمام كل العناصر في قائمة مشاهدة تَخيُّلِيَّة: "ليست هذه هي الطريقة الصحيحة لزيارة المكان! هذا مكان مقدّس يجب أن نمشي فيه بِسَمْتِ العابدين المُتَدبِّرين!" ثم عدَلْتُ عن الاستنكار، وقررت أن أكون أنا الكاهنة العابدة. ولكن ماذا تُراني أعبُد وأُقَدِّس بين هذه الأعمدة وقد أنكرتُ من نفسي ودنياي كل شيء؟ هنا في الكرنك وجدتُ الأجواء التي يمكن أن تتصالح فيها النفس مع اضطرابات فكرها بين الإيمان والكفر. يبدو الكرنك وكأنه لا يقبل النقاش في المسلمات، ويفرض عليك التسليم بمنظور فكري أُحاديّ تظنه ينعكس من خلال جدران المعبد، ولكن ما أن تألفه حتى يُقيم معك حواراً عميقاً حول منطقية المسلمات وتنوعها. وكأن الأعمدة بما كتب عليها من رموز وقصص مختلفة، وبما زان تيجانها من هندسات ونقوش متباينة، تَدُلُّكَ على إمكانية أن تبني العناصر المختلفة صرحاً ضخماً خالداً، لا يهمّ فيه التجانس بقدر ما تهمّ المساواة في الأدوار، فَتَخْلُقُ المساواة التجانس في أُفُقك. ترى الأعمدة أشكالاً ترمز للشمال والجنوب، للربيع والشتاء، للانزواء والتّفتُّح. تقف الأعمدة معاً فلا يحجب أحدها الآخر من أي زاوية نَظَرْتْ. سَيَمُرُّ بعض الوقت قبل أن أدرك ماهية تلك المعاني، وأقوم بمراجعات نقدية لأتقبل أن أرى الآخرين الذين قد تستفزني قناعاتهم من منظور شمول الحقوق وتكافؤ الإرادات. أعتقد أن باحة الأعمدة في الكرنك هي التجسيد الأمثل لما يطلق عليه الأمريكيون "inclusion". لا أملك ترجمة تنقل المعنى بأمانة إلى لغتي.

ظننت بعد الكرنك أن كل المعابد ستكون سواء، ولكن المصريين عرفوا أن ليست كل الآلهة سواء. في كلّ معبدٍ جديد كان هناك دوماً مَلْمحٌ جديد وقُدْسٌ جديد وقصة جديدة، ولكن لم تُبْعَث السكينة في نفسي من جديد إلا عندما وصلتُ لمعبد إدفو. هنا تجد سقْفاً يُظَلِّلُك، ترفع النظر إليه لتجد الأعمدة وقد مدّت أعناقها له في قُبُلات أبديّة ناعمة. هل كان لأعمدة الكرنك سقف تُقَبِّلُه؟ لست أدري، ولكن ما وقر في صدري أن أعمدة الأقصر كانت حُرّة لم تُحِبّ؛ هي فقط تمنح تَفَهُّماً واحتِواءاً أبديّاً. أعمدة إدفو كانت تبدو لي كعاشقة هانئة في ركن منعزل مع حبيبها. حتى الألوان الحائلة على الأعمدة والسقف كانت هادئة لا صخب فيها. ألوان إدفو نقلت إليّ إحساس نضج مكتمل، عكس نظيرتها في الكرنك، التي كانت مُبْهِجة وشقيّة، تتحدّى الزمن أن يمحوها إن جرؤ. لا أنكر أنّني أحببتُ أعمدة إدفو أكثر، ولازلت أطيل النظر في صورها كلما أردت أن أستعيد الشعور بالتآلف والمحبّة. أما بين أعمدة الكرنك فهو المكان الأمثل لمن أراد التأمل في أسرار الكون وفلسفة الأشياء أو أراد سبر أغوار النفس. أعمدة الكرنك لم تُخلق للحب، فهل أنا لم أُخْلَق إلا للحب؟ لا أحب هذه الفكرة. أحبُّ لو أكونُ حرة، ولكن هيهات أن أتحرّر وقد مررتُ بمعبد إدفو.
 
ألوان سقف وأعمدة معبد إدفو - أسوان (تصويري)

ألوان من معبد الكرنك - الأقصر (تصويري)

بعد أشهر، وأنا أسير في ممرات كاتدرائية سانتا ماريا نوفيلا للمرة الأولى، وَجَدْتُني استدعي مشاهد إدفو من ذاكرتي. كم يتشابه المكانان. في الكاتدرائية أيضا الألوان هادئة ناعمة، وهناك أيضا محبة عظيمة تسري نسماتها بين جنبات المكان. داعبت المشاهد في الكاتدرائية لقطات ضبابية في ذاكرتي من سنين ماضية، حين كنت أتسمّر أمام التلفزيون لأشاهد وثائقيات التاريخ والفنون الإيطالية دون أن أفهم شيئاً. ها هنا قطعة من ماضٍ بعيد بدأ فيه ولعي بالتاريخ الأوروبي. هنا سلام من نوع خاص، سلام أمومي، وكم افتقدْتُ السلام الأمومي في حياتي. هنا وجدْتُ محبَّة شاملة لا تعرفُ حدوداً ولا تشوبها نواقص الرغبة والتجمُّل. محبَّة ربما يعود أصلُها للأمّ الأصل التي تسمَّت الكاتدرائية باسمها؛ مريم القِدِّيسة التي يقولون أنها وَهَبَتِ الحياة دون رجل. جلستُ في أحد ممرات المكان وتأملتُ حولي، هنا يمكن أخيراً أن أجد الراحة من ذكريات الماضي، أليس احتواء الأم ملجأً لنا من كل شرور العالم؟ هل يمكن أن أبقى هنا للأبد؟ كلا بالطبع، فلا بدّ أن نغادر حضن الأم يوماً لنواجه ذلك العالم وحدنا. أما وأنا لم أجده في الأصل، أما وقد واجهت الشرور وحدي منذ البداية، فتبدو محاولة العودة له الآن سخيفة وغير مجدية. وهكذا، ألقيتُ نظرة أخيرة، وقررتُ الرحيل.
 
أحد ممرات كاتدرائية سانتا ماريا نوفيلا - فلورنسا (تصويري)

شتّان بين تلك المحبة الهانئة والقوة العاصفة التي وجدتها بين ردهات قصر پامفيليچ، الذي كان أول مكان زرته في روما، وكانت زيارة بلا تخطيط مسبق، وإنما بمحض صدفة خلقها التجوال بلا هدف في أول يوم. السلام الذي بعثته فيّ باحة القصر أول ما دخلت كان سلاماً لئيماً يسبق عاصفة ستمتد طوال زيارتي لروما. كم كنت شاكرة أن أنفقت دقائق كثيرة في باحة القصر أتأمل سكونها وبساطة الجدران والنوافذ، فقد أعانتني هذه الدقائق على ما لحقها من ساعات، إذ ما أن خطوت أولى خطواتي في ممرّات القصر المُزدانة باللوحات والتماثيل من الأرض للسقف حتى أخذت بضع أنفاس مبهورة، أنفاس ستظلّ مبهورة طيلة ثلاث ساعات هي الوقت الذي قضيته بالقصر. ها هنا قصر مُثقل بإرث من السطوة وإرث من الفنون بكل مدارسها. لا ادعاءات بالتواضع في هذا القصر ولا براءة. كل لوحة تنطق بِسِرٍّ وتدعوني لأقترب بحذر كي تكشف لي عنه. كل تمثال يتّخذ وضعاً عابثاً، وهم في كل أوضاعهم تلك مشغولون في عالمهم الخاص الذي لا بدّ وأنه لا زال مستمراً منذ قرون، ينظرون إليّ في استهجان أن جرؤت على اقتحام قصرهم ومرتع عبثهم. سيكون هذا دَيْدَنَ كل القصور التي سأزورها في روما، وسيثير هذا في نفسي نوازع الشهوة للفن، والشهوة للتاريخ، والشهوة للسلطة.
 
أحد ممرات قصر پامفيليچ - روما (تصويري)

إحدى لوحات قصر پامفيليچ - روما (تصويري)

ستجذبني فكرة الشهوة للسلطة تحديداً، وسأمتحنها مجدداً عندما أقف في البهو الفخم لكاتدرائية سانت پيتر في الفاتيكان، حيث تتجلى بأقوى الصور، وَكُلِّها، سلطة الكنيسة على الفن، وسلطة الفن على الكنيسة، فلا تعرف من يخدم أهداف الآخر، ولكن تعرف يقيناً أن الاثنين منتصران انتصاراً كاملاً في هذا المكان. كان يجب أن أعترف أن زواج الكنيسة والفن هنا زواج ناجح صمد لتقلبات السنين صموداً لا يزال يخلب لبّ الزائرين؛ زواج كاثوليكي تقليدي تماماً. لا يعني هذا أنه كان زواجاً عن حب. الزواج المبني على الحب كان هناك، في جنوب مصر، حيث لا بهرجة ولا زخارف، وإنما تأسيس عابر للقرون، ولكنه بقي حبيس المعابد، ولم يمتدّ للبشر. 

قبة كاتدرائية سانت پيتر - الفاتيكان (تصويري)

بهو في كادترائية سانت پيتر - الفاتيكان (تصويري)
معبد فيلة - أسوان (تصويري)
لم يخطر ببالي قبل تلك اللحظة التي وقفت فيها في ممرات قصر پامفيليچ أمام صور البابا صاحب القصر، ولا في تلك اللحظة التي وقفت فيها أتأمل في انبهار جوانب بهو سانت پيتر، أني قد دؤبتُ على احتقار السلطة وادّعاء التَّرَفُّعِ عنها، وأن هذا الاحتقار والترفع ليس نُبْلاً، وإنما محض جُبْن؛ جُبْن رخيص يَتَلَبَّسُ عباءة المُثُل الفارغة. ثم إنني وقد انسقتُ في ادِّعائي التَّرَفُّعَ عن شهوة السلطة ادَّعَيْتُ أيضاً أنّني أود لو أهبُ نفسي للفن والثقافة، وأحترف الكتابة أو الموسيقى، فهل فعلت؟ ولكني جَبُنْتُ حتّى عن أن أُغرِق نفسي في الكتابة لأنتقل إلى المعسكر الآخر الذي يعمل من أجل الفن والثقافة فقط. جَبُنْتُ عن الكتابة، وجَبُنْتُ عن امتلاك ناصية طموحي العملي، واتخذتُ من كل جانب ذريعة لتجنب الاشتباك مع الجانب الآخر. لماذا لا أستطيع أن أكتب وأسعى في ذات الوقت للترقية في عملي بدعوى أنني قد أُغَيِّرُ شيئا للأفضل؟ إن ما كنتُ أظنه واقعية مني، حين استسلمت لضرورة العمل وأعطيته الحد الأدنى، واستسلمت لعفوية الإلهام وتركت له الحبل على الغارب يأتي حينما شاء، هو التخاذل عن الاعتراف بأنني يمكن أن أكون شيئا أعظم مما أكونه الآن إذا ما نَفَضْتُ عن نفسي الانهزامية أمام الماضي واسْتَدْعَيْتُ كامل قوتي. إن قوتي التي أعرف أنها لازالت تختبيء بين جوانبي تخيفني حقاً، ولكنها في ذاتها خائفة ومرتبكة. القوة بُعْدٌ سَيَصْطَدِمُ بي بِعُنف أينما أدرت وجهي في الأقصر وأسوان وروما وفلورنسا.

في صرح الجمهورية في روما، يبلغ استعراض القوة ذروة تكاد أن تكون فجّة في نظري. رأيته مبنى قاسياً مُدَّعِياً لا أصالة فيه. لا محبّة، لا تفاصيل متعاشقة مع حدث أو أرض أو أشخاص. مبنى بلا روح، كاللَّوْن الأبيض الذي يكسو جنباته، كالسياسة التي يرمز لها. أيّ غرابة في أن يكون هذا المبنى أبيض اللون! أين ال"تَلَوُّنُ" الذي رأيتُه في قصر پامفيليچ؟ أين رأيتُ نفس الحضور البارد؟ في معبد حتشبسوت. هناك رأيتُ استعراضاً واضحاً للقوّة؛ ضد الجبل ربما، ضد الرافضين لحكم الملكة الأنثى ربما، ولكني لم أجد فيه من الزخم العاطفي إلا اليسير من نقوش باهتة. هذان صرحان لا مكان للعاطفة فيهما. هذان صرحان تصعد إليهما درجات كثيرة وعلى مراحل متعددة؛ "تتسلّق" لِتَصِلْ.

صرح الجمهورية - روما (تصويري)
أحد التماثيل بصرح الجمهورية - روما (تصويري)

القوّة والعنفوان سمة سائدة في  روما. قوّة الكنيسة، وقوّة الفنّان. في الأقصر أيضاً وجدت القوّة؛ قوّة الدين، وقوّة الفنان، وفي كلتا المدينتين وجدتُ الشواهد على أبدع صور الامتزاج بين الدين والفن، ولكن هناك شيء ما، اختلاف ما، خضوع ما. قوّة الفنّ في روما ساخرة؛ يخضع الفنان ظاهريّاً للكنيسة، ويسخر كما يريد في منتجه النهائي، وربما لا تملك الكنيسة إلا أن تسخر معه هي أيضاً، ولكن الجميع يُظهرون الطاعة والولاء للدين.



روما لها أسطورة تأسيسية مثيرة، لا أعتقد أن الأقصر تملك لها مثيلاً. نشأت الأقصر كأي مدينة حضرية مسالمة، بلا مفاجآت. مدينة هادئة هي، يتجاور ملوكها ويُخَلَّدون على ضفاف نيلها باحترام لا يُنْبِيء عن صراعات السلطة المكتومة. أما روما فقد بدأت بأسطورة رومولوس وريموس، الذين رضعا من ذئبة أنثى ثم كَبُرا لِيَقتُل الأخ أخاه ويؤسس المدينة، لِتُصْبِحَ تلك المدينة دُرَّة النهضة الإيطالية ومهد فنّ الباروك. روما تأسّست بأسطورة عنيفة تُجَسِّد شراسة البقاء وشهوة السلطة، والأقصر انتهت بكونها أسطورة خالدة تُجَسِّد حب الموت وجلال السلطة. الأقصر مدينة تشي بالاستقرار والتداول السلمي للسلطة، حتى وإن دارت المؤامرات الخفية بأدب ومكر وراء الكواليس، وروما مدينة تبدو وكأنها تموج بالإثارة والصراعات الماكرة والصريحة، وراء الكواليس وأمامها.

في الأقصر إيمان عميق. حب عميق. 

في الأقصر تبجيل من الفنان لسطوة الإله وسطوة الملك. كل ما نُحِتَ وكُتِبَ ورُسِمَ فُعِلَ بإيمان راسخ. لم أر أي رسائل سخرية خفيّة في التماثيل أو النقوش، ورغم أنّي لم أفهم أيّا مما كُتِبَ على جدران المعابد، لم أسمع عن الكتابات المصرية القديمة غير التقاليد الراسخة عن الأسرة والأخلاق والكرامة. يكاد الأمر أن يكون مملاً لولا أن جولتك بالأقصر تجبرك على أن تحترم كل تلك التقاليد حتى وإن وجدتها ساذجة. 

أينما أدرتُ وجهي بين الأقصر وأسوان أجد التماثيل والنقوش المصرية القديمة، بخطوط صارمة واضحة. لا أرى لؤماً يختبيء بين انحناءات التماثيل وثنايا النقوش، منتظراً أن تكتشفه فتبتسم وإياه متآمرا وقد فهمت. في روما، تَتَحَسَّسُ عقلك مُتَوَجِّساً وتُجْهِدُ حواسّك بحثاً عن الخُدْعة في التفاصيل، عن النُّكْتة الخفيَّة التي تَتَسَتَّرُ وراء الانحناءات الناعمة. الوجوه في تماثيل ونقوش المصريين القدماء أُحاديَّة المشاعر، وكأنها تعلم أنّها تنعم بالسلام الأبديّ. أمّا الوجوه في التماثيل واللوحات الإيطالية فتنطِق بِزَخَمٍ من الانطباعات والتعبيرات التي تعجز عن حصرها، وإن كنت تفهمها حق الفهم، لأنها أنت؛ لأنها انعكاسك في أنبل وأحطّ حالاتك. في الغالب لن تَجِدُ نفسك في جدران المعابد المصرية؛ ما تجده هو صورة مثالية من نفسك؛ صورة بسيطة مسالمة نبيلة تغمرك بالحب للحياة والموت معاً. صورة تودُّ لو أنها حقيقة، ولكنك تعرف الحقيقة. الحقيقة هناك، في روما.

في الجنوب المصري ربما يصفعك في البدء جبروت البنيان وحِدَّة الخطوط، ويشرف كل شيء عليك من شاهق، فَيَتَوَلَّدُ لديك إحساس بالضآلة والعظمة جميعاً. ثم ما أن تتصالح مع هذا الإحساس المختلط وتطيل النظر في التفاصيل حتى تجد أن البنيان الذي كان يتعاظم عليك يعود فيبتسم لك في فهم، ويحتويك حتى تسكن وتهدأ أساريرك. تتأمل في منحنيات البشر والآلهة في التماثيل والنقوش الجدارية فلا تجد التجسيد الدقيق. لا ينحت ولا يرسم المصريون القدماء أنفسهم وآلهتهم بنفس دقة الأصل. لا انحناءات دقيقة ولا تماهي مع الواقع بأدق تفاصيله. اقتصاد في التجسيد لا يمنعهم من الحفاظ على التناسب في الأبعاد. حتى منحنيات أجساد النساء لا تُنْبِيءُ عن أسرار الأنوثة وسطوة الإغراء. الكل يبتسم ابتسامة متحفظة تُضارع الموناليزا. فقط في معابد العصر البطلمي والروماني تبدأ ملامح بدائية للإغراء الأنثوي في الظهور على النقوش، ولكنها تظل بدائية، بل إني أراها طفولية. في روما ستُبْهِرُكَ دِقَّة التجسيد للطبيعة والإنسان في التماثيل واللوحات. الفنان الإيطالي مهووسٌ لِحَدِّ الجنون بالتطابق مع الواقع والسخرية منه معاً. إنه يريد أن يُعَبِّر حتى عن الرغبة بذات الدقة الحسيّة، فتنطق تماثيل الرجال والنساء بفورة الرجولة وفيض الأنوثة. كلما وقفت أمام عملٍ فني يُجَسِّدُ البشر شبه العُراة في لحظات العنفوان أو الحميمية أضحك في سري، وأتذكر أولئك الرهبان الذين احتموا بالمعابد المصرية واتخذوها أماكن للعبادة، فأعملوا التخريب في نقوش النساء والآلهة بدعوى أنها فسق، وأتذكر الشيوخ الذين يُفْتون بوجوب تحطيم التماثيل الفرعونية بدعوى أنها أصنام. أما لو وصلتم إلى روما، لسوف يُجَنُّ جنونكم!
 
اغتصاب پروسيرپينا - معرض بورجيزي روما (تصويري)

امرأة تستحم - متحف الفاتيكان (تصويري)

ملاك حزين - الفاتيكان (تصويري)

لوحة في معرض قصر بورجيزي - روما (تصويري)

تمثال أپوللو ودافني في معرض قصر بورجيزي - روما (تصويري)

تمثال بمعبد الكرنك - الأقصر (تصويري)

الخطوط المصرية في التماثيل

أحد الجداريات بمعبد إدفو وقد شُوِّهت معالم الآلهة فيه - أسوان (تصويري)

فيمَ وجدتُ هوس المصري؟ في الكتابة. 
 
كتابة فرعونية على جدران معبد إدفو - أسوان (تصويري)

عجيب هو هوس المصريين بالتدوين والكلام. جدران كاملة تحتوي رموزا لا يبدو أن لها لها نهاية، ولا تخلو التماثيل والنقوش من نصوص هنا وهناك. ربما تروي قصص النصر، ربما تروي قصص التتويج، وربما تروي حواديت البشر. لن تجد هذا الهوس بالتدوين لدى الإيطاليين؛ الفنان الإيطالي يكتب بريشته وأصابعه على الجبس والرخام. الفنان الإيطالي لا يحب الرسائل المباشرة والسرد. الفنان الإيطالي يُمْتِعُهُ أن يمتحن ذكاءك وقوة ملاحظتك واهتمامك بالتفاصيل. أما الفنان المصري فلا يمتحن ذكائك ولا يستنفر حواسك القلقة بحثاً عن الأسرار؛ هو يقول لك كل شيء بوضوح، ولكن أن تفهم ماذا أراد المصري أن يقول على جدران المعابد، أن تفهم اللغة، تلك هي الخدعة الحقيقية! ما أيسر أن أُدَرِّبَ عقلي على أن ينتبه لخدع الإيطاليين، فأُسْبِغَ على أعمالهم تفاسيري وترجماتي، أو أُسَلِّمَ باستنتاجات السابقين من ذوي الخبرة. أما إشكالية اللغة فهي التحدي الحقيقي. أراني أميلُ إلى أن أعتبر الفنان الإيطالي طفلاً مُبْدِعاً لا تَحُدُّه القيود ولا التقاليد؛ ينطلق مَرِحاً يفعلُ ما يُريد ويتحدّى كل شيء، أما الفنان المصري فأجده كالرَّاشد الناضج الذي لا يَسْتَخِفُّهُ النَّزَق ولا تَتَمَلَّكُهُ الرغبة في تلوين الأحياء؛ قد آمن بقصور قدرته عن أن تُحَصِّلَ الكمال السطحي، فَرَكَّزَ جُهده في نقل المعنى الأعمق الذي آمن به، وحقق خلوداً ما دامت الحياة باقية.

البشر والآلهة في التماثيل والنقوش من الأقصر لأسوان خالدة أبدا، شامخة أبدا؛ لا تنحني ولا تتقصّع ولا تمزح. شرف عظيم لا ادّعاء فيه. في روما وفلورنسا تتلوّى التماثيل، من الرغبة، من الاستهجان، من الدهشة، من الرعب، من الصراع. التماثيل هناك تنبض. حتى الله ينطق بالحياة على جدرانهم. أما الآلهة المصرية القديمة فصامتة. من يتحرك على الجدران هم الملوك في ظل الآلهة، خطوة واحدة، كما يفعلون على رقعة الشطرنج. الكلّ في الحقيقة يخطو خطوة واحدة، وأنت لا ترى إلا جانباً واحداً من البشر والآلهة على جدران المعابد المصرية. لن تجد مصرياً قديماً يسكن جدران المعابد يواجهك وينظر إليك عيناً بعين. ما أشبه هذا بالجنة؛ الوجوه باسمة، الأجساد مستقرة، الخير وافر، والآلهة والملوك والبشر معا لا يكدّون في الحركة والسعي. ربما لهذا لا يتماهى فنّ المصري القديم مع الواقع، لأنه في الحقيقة إنما يُجَسِّدُ الخلود، حيث لا بهرجة ولا ادّعاء. المصري يحترم الخلود ويُقَدِّسُه، ولذا لن يَحُطَّ من قدْرِه بتجسيد لن يسمو أبدا للحقيقة الأبديّة. لا يدّعي المصري القديم أنه يمتلك المعرفة بماهية تلك الحقيقة، ولكنه مع ذلك مؤمن بِتَصَوُّرِهِ عنها.
 
مشهد البعث والحساب عند المصريين القدماء

مشهد للجنة بأحد أسقف قصر بورجيزي - روما (تصويري)
في روما تجسيد دقيق للحياة كما نعيشها، وللموت كما نصطدم به، وللحساب كما يصفه الله ونختبره نحن في تصاريف القدر. في روما تجد الجنّة على الأرض مُجَسَّدة؛ الحياة التي نحياها بالفعل. الجنّة ليست مكاناً مثاليا تَعُمُّه السعادة. السعادة الحقّة في الجنّة من نصيب الفلاسفة فقط، حيث قد فهموا وأدركوا. الجنّة الحقيقية في روما حسيّة؛ تزدحم بالألوان والشهوات وتفاصيل الباروك. أما جنّة المصريين فزاهدة، لا مكان فيها للشرّ والعذاب. جنّة الطريق إليها مفروش بالأمل في أن يزن القلب مقدار ريشة الحقّ. هي الجنّة التي يطمح إليها نبلاء النفس، ولكن يعلم العاقلون أنها قد لا توجد أبداً. العاقلون يذهبون إلى جنّة روما، ويتعايشون مع الحياة. 

الحقيقة هناك. في روما.

في روما، ما أكثر الهالات، وما أوفر السخرية المبطنة الذكية. الفن للحياة في روما، والفن للدين في الأقصر، حيث لا استخفاف، حيث كل شيء محاط بالقداسة، بلا هالات كاذبة. ليتها تكون الحقيقة، إذاً لارتاح أهل الفكر والفلسفة، ولوجدوا في ما نُقِشَ ودُوِّنَ على جدران المعابد المصرية عزاء عن سيادة الحس والشهوة.

الأقصر وروما وأسوان وفلورنسا. مدينة للفلسفة، ومدينة للحب، ومدينة للسلطة، ومدينة للاحتواء. ما الذي يجمع بين تلك المدن؟ أُحِبُّ أن أسمّيها مدن الحبّ والاستعراض. في كل وجدتُ حبّ الحياة وحبّ الموت وحبّ الدين وحبّ السلطة، واستعراض الحياة واستعراض الموت واستعراض الدين واستعراض السلطة بالطبع.

عدت من الأقصر وأسوان وأنا خائفة من أن أكون قد وقعت في حب مصر لم تعد موجودة. ستظل الآثار موجودة، فقد تحدّت تصاريف الزمن قروناً طويلة، ولكني أفتقد الحياة التي كانت فيها والتي رأيتها جامدة على الجدران وفي ردهات المعابد. ربما كانت الحياة وقتها كما هي الآن؛ بسيطة ويومية في معظمها، وربما كانت المشاهد العظيمة المجسدة هنا وهناك ملامح عابرة في حياة المصري اليومية، ولكن هذه المشاهد العابرة لم تعد موجودة، وكل ذلك الحب الذي بُنِيَ به الصرح تلو الصرح لم يعد موجودا. يمرّ الزائرون سريعا على المشهد تِلْو المشهد فيفغرون فيهم، ثم يعبرون هم أيضاً متلهفين على مشهد جديد. كلما توقفت لأملأ عيني وقلبي وعقلي من مشهد، محاولة أن أستوعب الأحداث والتفصيلات وأربطها بما رأيت وما أعرف، نظر لي الجميع شذرا مستحثينني على الإسراع مثلهم "حتى نرى كل شيء ونلحق بالباص".

ثم عدت من روما وفلورنسا وقد اختلطت عليّ المشاعر؛ هناك وجدْتُ تفاصيلَ تُلْهِبُ حواسِّي، وأجواءً وملامحَ من ذاكرة الطفولة الهاربة أود لو أنّي أعيشها من جديد، ولكن الإغراق في الحياة أخافني بقدر ما أنعشني. قد أملّ الجنة التي تُقَدِّمُها روما بعد عشر سنين، وقد حفِظْتُ تفاصيلها وفهِمْتُ رسائلها الخفية، فهل يمكن أن أوقن بوجود الجنة المصرية؟ هل هي حقا الجنة المثالية التي يصبح فيها الأهم هو أن تؤمن وتقرأ وتسمو بإدراكك، لا أن تشعر فقط؟ أخافني الإيمان بوجود تلك الجنة. أخافني أن لا تكون موجودة، وأنجذِب للشهوات فأنسى ادّعائاتي، وأنضم للعقلاء الذين لم يزهدوا الحياة بعد. أخافني أن فكرت في قدرتي على أن أتصالح مع شتاتي وأمتلك ناصية أموري. أخافني أن أُحب، وأن لا أُحب. يقولون أن الخطوة الأولى في النضج هي أن تكتشف ما تخاف، وقد كانت هاتان الرحلتان رحلتي متعة واكتشاف، فماذا بعد؟

لا زالت قصة الحب والاكتشاف في بدايتها إذاً، ولو أنني أعرف أن الحب العابر للمسافات لا يعيش طويلا، وأن الاكتشاف يحتاج المزيد من الشجاعة والمواجهة، ولكنّني عازمة على تكرار المحاولة، والاستزادة من الفهم. ربما لا يكون السحر مفقوداً بعد، وربما أجد طريقة للعبور إلى ذلك الماضي والعودة، علّني أجد نفسي، أو لا أجدها، وعلّني أفهم وأدرك وأوقن، أو أقتنع بعبثية المحاولة، فأستقر أخيراً.
 
نيل الأقصر (تصويري)


نهر التايبر (تصويري)

Template by:
Free Blog Templates