Saturday, March 4, 2017

من الأقصر إلى روما والعودة

كم تتشابه الأماكن، وشتان ما بينها.

في لحظة فارقة في الزمن ومنه، قررت العام الماضي أن أسافر إلى الأقصر وأسوان لمدة أسبوع، أهرب فيه من ضغوط كادت أن تقضي على ما تَبَقَّى من سلامي النفسي الهشّ. كنت قد عزمت أشد العزم أن أكتب عن رحلتي تلك بعد عودتي من هناك، والتفاصيل لا تزال حيّة في مخيلتي، والإحساس بالمكان لا يزال طازجاً، ولكنّ السلام النفسي الهشّ ازداد بُعداً عن المنال، وحالت أمور كثيرة بيني وبين قدرتي على استحضار حالة الكتابة مدة لا بأس بها من الزمن. وقر في صدري أنّني مهما حاولت أن أصوغ تجربتي في كلمات فسيكون أيّ ما أكتبه غير ذي معنى، تماما كما اعتقدتُ صادقة أنّ الصورالتي التَقَطْتُها ونَشرْتُها لم تفِ المكان مقدار عُشر من عظمته. لا بد أن ترى لتعرف.

ثم مرّت شهور لأجدني في طريقي إلى روما على شرف رحلة لحضور مؤتمر. في روما قضيت أسبوعا، استقطعت منه يوما لزيارة فلورنسا، وكما حدث في الرحلة الأولى، عدت من هذه الرحلة أكثر هشاشة وعجزاً. وجدتني أقنع نفسي أن التجربة لابدّ لكي تظلّ حَيّة في مخيلتي أن لا تتجسّد في كلمات. كانت الكلمات تراودني عن نفسي أحيانا، ثم تتسرّب من بين يديّ رافضة أن تسكن الورق. أردت في أوقات كثيرة أن أحتضن كل من زاروا تلك المدن من معارفي، وأدركوا، وفهموا، علّ هذا يكون عزاءً لي عن عدم قدرتي على الكتابة.

أجزم أن هذين الأسبوعين هما كل ما عشته حقّاً في السنة الفائتة. كانت السنة امتدادا من الظلام القاتم، فيما عدا تلك الأيام القليلة التي قضيتها بين باحات الأعمدة وشواهد المقابر والمباني العتيقة والمتاحف المفتوحة والمغلقة أمام الجداريات واللوحات.

في باحة الأعمدة في معبد الكرنك بالأقصر وجدت سلاما، وفي باحة قصر پامفيليچ في روما وجدت سلاما، وبين أعمدة معبد إدفو بأسوان وجدت سلاما، وفي ممرات كاتدرائية سانتا ماريا نوفيلا في فلورنسا وجدت سلاما. بين تلك الأعمدة والباحات والممرات المزدانة بالصمت وترديد العصافير وجدتُ السَّكِينةَ والفرصة في الاختباء من الناس ومن هواجسي. أتذكر لحظة اللقاء الأولى. أتذكر كيف انحبست أنفاسي، ليتبعها نفس طويل عميق، ثم سلام غامر دافيء. لا بدّ وأنّ هذا هو ما يشعر به المرء عندما يعترف لنفسه بأنه وجد الحب الذي يشبع روحه. كنت أدور بين الأعمدة وأمشي في الممرات وأُشْرِفُ على الباحات، ليس كطفلة صغيرة مرحة تقفز حول أماكن جديدة، ولكن كامرأة تستكشف أركاناً في نفسها ظلت خبيئة الزمن أعواماً طوال. وراء كل عمود كنت أجد قطعة من سلامي الهشّ، ذاك التائه الذي ظلّ يتسرب مني، وكلما انتهيت من مكان لملمت القطع وضممتها إلى ركن من قلبي، واعدة إياها بأن أعيدها قريباً سالمة إلى الكلّ؛ أَسيرِ الحياة التي تجري ولا تتوقف. ربما هذا ما لأجله لم أرد أن أكتب قبل اليوم؛ كنت سأكتب قبلا لأروي، والآن ربما آن الأوان أن أكتب لألملم شتات النفس وأعيد كل قطعة من تلك الأماكن لموقعها الصحيح في نفسي.
 
باحة الأعمدة بالكرنك - الأقصر (تصويري)

أعمدة معبد إدفو - أسوان (تصويري)

باحة قصر پامفيليچ - روما (تصويري)

باحة في كاتدرائية سانتا ماريا نوفيلا - فلورنسا (تصويري)

عندما رأيت باحة أعمدة الكرنك لأول مرة، وخفق قلبي وأخذت ذلك النفس العميق، ابتسمت هازئة من نفسي أن أنكرت عليها رؤية المكان قبل ذلك اليوم. كنت أمشي بين الأعمدة كما تخيلت أن الكهنة لا بدّ وأن مَشَوْا. في البدء أردت أن أصرخ في الزوار الذين كانوا يسيرون حثيثا لِيَرَوْا كل شيءٍ في المعبد ويضعوا علامة "صح" أمام كل العناصر في قائمة مشاهدة تَخيُّلِيَّة: "ليست هذه هي الطريقة الصحيحة لزيارة المكان! هذا مكان مقدّس يجب أن نمشي فيه بِسَمْتِ العابدين المُتَدبِّرين!" ثم عدَلْتُ عن الاستنكار، وقررت أن أكون أنا الكاهنة العابدة. ولكن ماذا تُراني أعبُد وأُقَدِّس بين هذه الأعمدة وقد أنكرتُ من نفسي ودنياي كل شيء؟ هنا في الكرنك وجدتُ الأجواء التي يمكن أن تتصالح فيها النفس مع اضطرابات فكرها بين الإيمان والكفر. يبدو الكرنك وكأنه لا يقبل النقاش في المسلمات، ويفرض عليك التسليم بمنظور فكري أُحاديّ تظنه ينعكس من خلال جدران المعبد، ولكن ما أن تألفه حتى يُقيم معك حواراً عميقاً حول منطقية المسلمات وتنوعها. وكأن الأعمدة بما كتب عليها من رموز وقصص مختلفة، وبما زان تيجانها من هندسات ونقوش متباينة، تَدُلُّكَ على إمكانية أن تبني العناصر المختلفة صرحاً ضخماً خالداً، لا يهمّ فيه التجانس بقدر ما تهمّ المساواة في الأدوار، فَتَخْلُقُ المساواة التجانس في أُفُقك. ترى الأعمدة أشكالاً ترمز للشمال والجنوب، للربيع والشتاء، للانزواء والتّفتُّح. تقف الأعمدة معاً فلا يحجب أحدها الآخر من أي زاوية نَظَرْتْ. سَيَمُرُّ بعض الوقت قبل أن أدرك ماهية تلك المعاني، وأقوم بمراجعات نقدية لأتقبل أن أرى الآخرين الذين قد تستفزني قناعاتهم من منظور شمول الحقوق وتكافؤ الإرادات. أعتقد أن باحة الأعمدة في الكرنك هي التجسيد الأمثل لما يطلق عليه الأمريكيون "inclusion". لا أملك ترجمة تنقل المعنى بأمانة إلى لغتي.

ظننت بعد الكرنك أن كل المعابد ستكون سواء، ولكن المصريين عرفوا أن ليست كل الآلهة سواء. في كلّ معبدٍ جديد كان هناك دوماً مَلْمحٌ جديد وقُدْسٌ جديد وقصة جديدة، ولكن لم تُبْعَث السكينة في نفسي من جديد إلا عندما وصلتُ لمعبد إدفو. هنا تجد سقْفاً يُظَلِّلُك، ترفع النظر إليه لتجد الأعمدة وقد مدّت أعناقها له في قُبُلات أبديّة ناعمة. هل كان لأعمدة الكرنك سقف تُقَبِّلُه؟ لست أدري، ولكن ما وقر في صدري أن أعمدة الأقصر كانت حُرّة لم تُحِبّ؛ هي فقط تمنح تَفَهُّماً واحتِواءاً أبديّاً. أعمدة إدفو كانت تبدو لي كعاشقة هانئة في ركن منعزل مع حبيبها. حتى الألوان الحائلة على الأعمدة والسقف كانت هادئة لا صخب فيها. ألوان إدفو نقلت إليّ إحساس نضج مكتمل، عكس نظيرتها في الكرنك، التي كانت مُبْهِجة وشقيّة، تتحدّى الزمن أن يمحوها إن جرؤ. لا أنكر أنّني أحببتُ أعمدة إدفو أكثر، ولازلت أطيل النظر في صورها كلما أردت أن أستعيد الشعور بالتآلف والمحبّة. أما بين أعمدة الكرنك فهو المكان الأمثل لمن أراد التأمل في أسرار الكون وفلسفة الأشياء أو أراد سبر أغوار النفس. أعمدة الكرنك لم تُخلق للحب، فهل أنا لم أُخْلَق إلا للحب؟ لا أحب هذه الفكرة. أحبُّ لو أكونُ حرة، ولكن هيهات أن أتحرّر وقد مررتُ بمعبد إدفو.
 
ألوان سقف وأعمدة معبد إدفو - أسوان (تصويري)

ألوان من معبد الكرنك - الأقصر (تصويري)

بعد أشهر، وأنا أسير في ممرات كاتدرائية سانتا ماريا نوفيلا للمرة الأولى، وَجَدْتُني استدعي مشاهد إدفو من ذاكرتي. كم يتشابه المكانان. في الكاتدرائية أيضا الألوان هادئة ناعمة، وهناك أيضا محبة عظيمة تسري نسماتها بين جنبات المكان. داعبت المشاهد في الكاتدرائية لقطات ضبابية في ذاكرتي من سنين ماضية، حين كنت أتسمّر أمام التلفزيون لأشاهد وثائقيات التاريخ والفنون الإيطالية دون أن أفهم شيئاً. ها هنا قطعة من ماضٍ بعيد بدأ فيه ولعي بالتاريخ الأوروبي. هنا سلام من نوع خاص، سلام أمومي، وكم افتقدْتُ السلام الأمومي في حياتي. هنا وجدْتُ محبَّة شاملة لا تعرفُ حدوداً ولا تشوبها نواقص الرغبة والتجمُّل. محبَّة ربما يعود أصلُها للأمّ الأصل التي تسمَّت الكاتدرائية باسمها؛ مريم القِدِّيسة التي يقولون أنها وَهَبَتِ الحياة دون رجل. جلستُ في أحد ممرات المكان وتأملتُ حولي، هنا يمكن أخيراً أن أجد الراحة من ذكريات الماضي، أليس احتواء الأم ملجأً لنا من كل شرور العالم؟ هل يمكن أن أبقى هنا للأبد؟ كلا بالطبع، فلا بدّ أن نغادر حضن الأم يوماً لنواجه ذلك العالم وحدنا. أما وأنا لم أجده في الأصل، أما وقد واجهت الشرور وحدي منذ البداية، فتبدو محاولة العودة له الآن سخيفة وغير مجدية. وهكذا، ألقيتُ نظرة أخيرة، وقررتُ الرحيل.
 
أحد ممرات كاتدرائية سانتا ماريا نوفيلا - فلورنسا (تصويري)

شتّان بين تلك المحبة الهانئة والقوة العاصفة التي وجدتها بين ردهات قصر پامفيليچ، الذي كان أول مكان زرته في روما، وكانت زيارة بلا تخطيط مسبق، وإنما بمحض صدفة خلقها التجوال بلا هدف في أول يوم. السلام الذي بعثته فيّ باحة القصر أول ما دخلت كان سلاماً لئيماً يسبق عاصفة ستمتد طوال زيارتي لروما. كم كنت شاكرة أن أنفقت دقائق كثيرة في باحة القصر أتأمل سكونها وبساطة الجدران والنوافذ، فقد أعانتني هذه الدقائق على ما لحقها من ساعات، إذ ما أن خطوت أولى خطواتي في ممرّات القصر المُزدانة باللوحات والتماثيل من الأرض للسقف حتى أخذت بضع أنفاس مبهورة، أنفاس ستظلّ مبهورة طيلة ثلاث ساعات هي الوقت الذي قضيته بالقصر. ها هنا قصر مُثقل بإرث من السطوة وإرث من الفنون بكل مدارسها. لا ادعاءات بالتواضع في هذا القصر ولا براءة. كل لوحة تنطق بِسِرٍّ وتدعوني لأقترب بحذر كي تكشف لي عنه. كل تمثال يتّخذ وضعاً عابثاً، وهم في كل أوضاعهم تلك مشغولون في عالمهم الخاص الذي لا بدّ وأنه لا زال مستمراً منذ قرون، ينظرون إليّ في استهجان أن جرؤت على اقتحام قصرهم ومرتع عبثهم. سيكون هذا دَيْدَنَ كل القصور التي سأزورها في روما، وسيثير هذا في نفسي نوازع الشهوة للفن، والشهوة للتاريخ، والشهوة للسلطة.
 
أحد ممرات قصر پامفيليچ - روما (تصويري)

إحدى لوحات قصر پامفيليچ - روما (تصويري)

ستجذبني فكرة الشهوة للسلطة تحديداً، وسأمتحنها مجدداً عندما أقف في البهو الفخم لكاتدرائية سانت پيتر في الفاتيكان، حيث تتجلى بأقوى الصور، وَكُلِّها، سلطة الكنيسة على الفن، وسلطة الفن على الكنيسة، فلا تعرف من يخدم أهداف الآخر، ولكن تعرف يقيناً أن الاثنين منتصران انتصاراً كاملاً في هذا المكان. كان يجب أن أعترف أن زواج الكنيسة والفن هنا زواج ناجح صمد لتقلبات السنين صموداً لا يزال يخلب لبّ الزائرين؛ زواج كاثوليكي تقليدي تماماً. لا يعني هذا أنه كان زواجاً عن حب. الزواج المبني على الحب كان هناك، في جنوب مصر، حيث لا بهرجة ولا زخارف، وإنما تأسيس عابر للقرون، ولكنه بقي حبيس المعابد، ولم يمتدّ للبشر. 

قبة كاتدرائية سانت پيتر - الفاتيكان (تصويري)

بهو في كادترائية سانت پيتر - الفاتيكان (تصويري)
معبد فيلة - أسوان (تصويري)
لم يخطر ببالي قبل تلك اللحظة التي وقفت فيها في ممرات قصر پامفيليچ أمام صور البابا صاحب القصر، ولا في تلك اللحظة التي وقفت فيها أتأمل في انبهار جوانب بهو سانت پيتر، أني قد دؤبتُ على احتقار السلطة وادّعاء التَّرَفُّعِ عنها، وأن هذا الاحتقار والترفع ليس نُبْلاً، وإنما محض جُبْن؛ جُبْن رخيص يَتَلَبَّسُ عباءة المُثُل الفارغة. ثم إنني وقد انسقتُ في ادِّعائي التَّرَفُّعَ عن شهوة السلطة ادَّعَيْتُ أيضاً أنّني أود لو أهبُ نفسي للفن والثقافة، وأحترف الكتابة أو الموسيقى، فهل فعلت؟ ولكني جَبُنْتُ حتّى عن أن أُغرِق نفسي في الكتابة لأنتقل إلى المعسكر الآخر الذي يعمل من أجل الفن والثقافة فقط. جَبُنْتُ عن الكتابة، وجَبُنْتُ عن امتلاك ناصية طموحي العملي، واتخذتُ من كل جانب ذريعة لتجنب الاشتباك مع الجانب الآخر. لماذا لا أستطيع أن أكتب وأسعى في ذات الوقت للترقية في عملي بدعوى أنني قد أُغَيِّرُ شيئا للأفضل؟ إن ما كنتُ أظنه واقعية مني، حين استسلمت لضرورة العمل وأعطيته الحد الأدنى، واستسلمت لعفوية الإلهام وتركت له الحبل على الغارب يأتي حينما شاء، هو التخاذل عن الاعتراف بأنني يمكن أن أكون شيئا أعظم مما أكونه الآن إذا ما نَفَضْتُ عن نفسي الانهزامية أمام الماضي واسْتَدْعَيْتُ كامل قوتي. إن قوتي التي أعرف أنها لازالت تختبيء بين جوانبي تخيفني حقاً، ولكنها في ذاتها خائفة ومرتبكة. القوة بُعْدٌ سَيَصْطَدِمُ بي بِعُنف أينما أدرت وجهي في الأقصر وأسوان وروما وفلورنسا.

في صرح الجمهورية في روما، يبلغ استعراض القوة ذروة تكاد أن تكون فجّة في نظري. رأيته مبنى قاسياً مُدَّعِياً لا أصالة فيه. لا محبّة، لا تفاصيل متعاشقة مع حدث أو أرض أو أشخاص. مبنى بلا روح، كاللَّوْن الأبيض الذي يكسو جنباته، كالسياسة التي يرمز لها. أيّ غرابة في أن يكون هذا المبنى أبيض اللون! أين ال"تَلَوُّنُ" الذي رأيتُه في قصر پامفيليچ؟ أين رأيتُ نفس الحضور البارد؟ في معبد حتشبسوت. هناك رأيتُ استعراضاً واضحاً للقوّة؛ ضد الجبل ربما، ضد الرافضين لحكم الملكة الأنثى ربما، ولكني لم أجد فيه من الزخم العاطفي إلا اليسير من نقوش باهتة. هذان صرحان لا مكان للعاطفة فيهما. هذان صرحان تصعد إليهما درجات كثيرة وعلى مراحل متعددة؛ "تتسلّق" لِتَصِلْ.

صرح الجمهورية - روما (تصويري)
أحد التماثيل بصرح الجمهورية - روما (تصويري)

القوّة والعنفوان سمة سائدة في  روما. قوّة الكنيسة، وقوّة الفنّان. في الأقصر أيضاً وجدت القوّة؛ قوّة الدين، وقوّة الفنان، وفي كلتا المدينتين وجدتُ الشواهد على أبدع صور الامتزاج بين الدين والفن، ولكن هناك شيء ما، اختلاف ما، خضوع ما. قوّة الفنّ في روما ساخرة؛ يخضع الفنان ظاهريّاً للكنيسة، ويسخر كما يريد في منتجه النهائي، وربما لا تملك الكنيسة إلا أن تسخر معه هي أيضاً، ولكن الجميع يُظهرون الطاعة والولاء للدين.



روما لها أسطورة تأسيسية مثيرة، لا أعتقد أن الأقصر تملك لها مثيلاً. نشأت الأقصر كأي مدينة حضرية مسالمة، بلا مفاجآت. مدينة هادئة هي، يتجاور ملوكها ويُخَلَّدون على ضفاف نيلها باحترام لا يُنْبِيء عن صراعات السلطة المكتومة. أما روما فقد بدأت بأسطورة رومولوس وريموس، الذين رضعا من ذئبة أنثى ثم كَبُرا لِيَقتُل الأخ أخاه ويؤسس المدينة، لِتُصْبِحَ تلك المدينة دُرَّة النهضة الإيطالية ومهد فنّ الباروك. روما تأسّست بأسطورة عنيفة تُجَسِّد شراسة البقاء وشهوة السلطة، والأقصر انتهت بكونها أسطورة خالدة تُجَسِّد حب الموت وجلال السلطة. الأقصر مدينة تشي بالاستقرار والتداول السلمي للسلطة، حتى وإن دارت المؤامرات الخفية بأدب ومكر وراء الكواليس، وروما مدينة تبدو وكأنها تموج بالإثارة والصراعات الماكرة والصريحة، وراء الكواليس وأمامها.

في الأقصر إيمان عميق. حب عميق. 

في الأقصر تبجيل من الفنان لسطوة الإله وسطوة الملك. كل ما نُحِتَ وكُتِبَ ورُسِمَ فُعِلَ بإيمان راسخ. لم أر أي رسائل سخرية خفيّة في التماثيل أو النقوش، ورغم أنّي لم أفهم أيّا مما كُتِبَ على جدران المعابد، لم أسمع عن الكتابات المصرية القديمة غير التقاليد الراسخة عن الأسرة والأخلاق والكرامة. يكاد الأمر أن يكون مملاً لولا أن جولتك بالأقصر تجبرك على أن تحترم كل تلك التقاليد حتى وإن وجدتها ساذجة. 

أينما أدرتُ وجهي بين الأقصر وأسوان أجد التماثيل والنقوش المصرية القديمة، بخطوط صارمة واضحة. لا أرى لؤماً يختبيء بين انحناءات التماثيل وثنايا النقوش، منتظراً أن تكتشفه فتبتسم وإياه متآمرا وقد فهمت. في روما، تَتَحَسَّسُ عقلك مُتَوَجِّساً وتُجْهِدُ حواسّك بحثاً عن الخُدْعة في التفاصيل، عن النُّكْتة الخفيَّة التي تَتَسَتَّرُ وراء الانحناءات الناعمة. الوجوه في تماثيل ونقوش المصريين القدماء أُحاديَّة المشاعر، وكأنها تعلم أنّها تنعم بالسلام الأبديّ. أمّا الوجوه في التماثيل واللوحات الإيطالية فتنطِق بِزَخَمٍ من الانطباعات والتعبيرات التي تعجز عن حصرها، وإن كنت تفهمها حق الفهم، لأنها أنت؛ لأنها انعكاسك في أنبل وأحطّ حالاتك. في الغالب لن تَجِدُ نفسك في جدران المعابد المصرية؛ ما تجده هو صورة مثالية من نفسك؛ صورة بسيطة مسالمة نبيلة تغمرك بالحب للحياة والموت معاً. صورة تودُّ لو أنها حقيقة، ولكنك تعرف الحقيقة. الحقيقة هناك، في روما.

في الجنوب المصري ربما يصفعك في البدء جبروت البنيان وحِدَّة الخطوط، ويشرف كل شيء عليك من شاهق، فَيَتَوَلَّدُ لديك إحساس بالضآلة والعظمة جميعاً. ثم ما أن تتصالح مع هذا الإحساس المختلط وتطيل النظر في التفاصيل حتى تجد أن البنيان الذي كان يتعاظم عليك يعود فيبتسم لك في فهم، ويحتويك حتى تسكن وتهدأ أساريرك. تتأمل في منحنيات البشر والآلهة في التماثيل والنقوش الجدارية فلا تجد التجسيد الدقيق. لا ينحت ولا يرسم المصريون القدماء أنفسهم وآلهتهم بنفس دقة الأصل. لا انحناءات دقيقة ولا تماهي مع الواقع بأدق تفاصيله. اقتصاد في التجسيد لا يمنعهم من الحفاظ على التناسب في الأبعاد. حتى منحنيات أجساد النساء لا تُنْبِيءُ عن أسرار الأنوثة وسطوة الإغراء. الكل يبتسم ابتسامة متحفظة تُضارع الموناليزا. فقط في معابد العصر البطلمي والروماني تبدأ ملامح بدائية للإغراء الأنثوي في الظهور على النقوش، ولكنها تظل بدائية، بل إني أراها طفولية. في روما ستُبْهِرُكَ دِقَّة التجسيد للطبيعة والإنسان في التماثيل واللوحات. الفنان الإيطالي مهووسٌ لِحَدِّ الجنون بالتطابق مع الواقع والسخرية منه معاً. إنه يريد أن يُعَبِّر حتى عن الرغبة بذات الدقة الحسيّة، فتنطق تماثيل الرجال والنساء بفورة الرجولة وفيض الأنوثة. كلما وقفت أمام عملٍ فني يُجَسِّدُ البشر شبه العُراة في لحظات العنفوان أو الحميمية أضحك في سري، وأتذكر أولئك الرهبان الذين احتموا بالمعابد المصرية واتخذوها أماكن للعبادة، فأعملوا التخريب في نقوش النساء والآلهة بدعوى أنها فسق، وأتذكر الشيوخ الذين يُفْتون بوجوب تحطيم التماثيل الفرعونية بدعوى أنها أصنام. أما لو وصلتم إلى روما، لسوف يُجَنُّ جنونكم!
 
اغتصاب پروسيرپينا - معرض بورجيزي روما (تصويري)

امرأة تستحم - متحف الفاتيكان (تصويري)

ملاك حزين - الفاتيكان (تصويري)

لوحة في معرض قصر بورجيزي - روما (تصويري)

تمثال أپوللو ودافني في معرض قصر بورجيزي - روما (تصويري)

تمثال بمعبد الكرنك - الأقصر (تصويري)

الخطوط المصرية في التماثيل

أحد الجداريات بمعبد إدفو وقد شُوِّهت معالم الآلهة فيه - أسوان (تصويري)

فيمَ وجدتُ هوس المصري؟ في الكتابة. 
 
كتابة فرعونية على جدران معبد إدفو - أسوان (تصويري)

عجيب هو هوس المصريين بالتدوين والكلام. جدران كاملة تحتوي رموزا لا يبدو أن لها لها نهاية، ولا تخلو التماثيل والنقوش من نصوص هنا وهناك. ربما تروي قصص النصر، ربما تروي قصص التتويج، وربما تروي حواديت البشر. لن تجد هذا الهوس بالتدوين لدى الإيطاليين؛ الفنان الإيطالي يكتب بريشته وأصابعه على الجبس والرخام. الفنان الإيطالي لا يحب الرسائل المباشرة والسرد. الفنان الإيطالي يُمْتِعُهُ أن يمتحن ذكاءك وقوة ملاحظتك واهتمامك بالتفاصيل. أما الفنان المصري فلا يمتحن ذكائك ولا يستنفر حواسك القلقة بحثاً عن الأسرار؛ هو يقول لك كل شيء بوضوح، ولكن أن تفهم ماذا أراد المصري أن يقول على جدران المعابد، أن تفهم اللغة، تلك هي الخدعة الحقيقية! ما أيسر أن أُدَرِّبَ عقلي على أن ينتبه لخدع الإيطاليين، فأُسْبِغَ على أعمالهم تفاسيري وترجماتي، أو أُسَلِّمَ باستنتاجات السابقين من ذوي الخبرة. أما إشكالية اللغة فهي التحدي الحقيقي. أراني أميلُ إلى أن أعتبر الفنان الإيطالي طفلاً مُبْدِعاً لا تَحُدُّه القيود ولا التقاليد؛ ينطلق مَرِحاً يفعلُ ما يُريد ويتحدّى كل شيء، أما الفنان المصري فأجده كالرَّاشد الناضج الذي لا يَسْتَخِفُّهُ النَّزَق ولا تَتَمَلَّكُهُ الرغبة في تلوين الأحياء؛ قد آمن بقصور قدرته عن أن تُحَصِّلَ الكمال السطحي، فَرَكَّزَ جُهده في نقل المعنى الأعمق الذي آمن به، وحقق خلوداً ما دامت الحياة باقية.

البشر والآلهة في التماثيل والنقوش من الأقصر لأسوان خالدة أبدا، شامخة أبدا؛ لا تنحني ولا تتقصّع ولا تمزح. شرف عظيم لا ادّعاء فيه. في روما وفلورنسا تتلوّى التماثيل، من الرغبة، من الاستهجان، من الدهشة، من الرعب، من الصراع. التماثيل هناك تنبض. حتى الله ينطق بالحياة على جدرانهم. أما الآلهة المصرية القديمة فصامتة. من يتحرك على الجدران هم الملوك في ظل الآلهة، خطوة واحدة، كما يفعلون على رقعة الشطرنج. الكلّ في الحقيقة يخطو خطوة واحدة، وأنت لا ترى إلا جانباً واحداً من البشر والآلهة على جدران المعابد المصرية. لن تجد مصرياً قديماً يسكن جدران المعابد يواجهك وينظر إليك عيناً بعين. ما أشبه هذا بالجنة؛ الوجوه باسمة، الأجساد مستقرة، الخير وافر، والآلهة والملوك والبشر معا لا يكدّون في الحركة والسعي. ربما لهذا لا يتماهى فنّ المصري القديم مع الواقع، لأنه في الحقيقة إنما يُجَسِّدُ الخلود، حيث لا بهرجة ولا ادّعاء. المصري يحترم الخلود ويُقَدِّسُه، ولذا لن يَحُطَّ من قدْرِه بتجسيد لن يسمو أبدا للحقيقة الأبديّة. لا يدّعي المصري القديم أنه يمتلك المعرفة بماهية تلك الحقيقة، ولكنه مع ذلك مؤمن بِتَصَوُّرِهِ عنها.
 
مشهد البعث والحساب عند المصريين القدماء

مشهد للجنة بأحد أسقف قصر بورجيزي - روما (تصويري)
في روما تجسيد دقيق للحياة كما نعيشها، وللموت كما نصطدم به، وللحساب كما يصفه الله ونختبره نحن في تصاريف القدر. في روما تجد الجنّة على الأرض مُجَسَّدة؛ الحياة التي نحياها بالفعل. الجنّة ليست مكاناً مثاليا تَعُمُّه السعادة. السعادة الحقّة في الجنّة من نصيب الفلاسفة فقط، حيث قد فهموا وأدركوا. الجنّة الحقيقية في روما حسيّة؛ تزدحم بالألوان والشهوات وتفاصيل الباروك. أما جنّة المصريين فزاهدة، لا مكان فيها للشرّ والعذاب. جنّة الطريق إليها مفروش بالأمل في أن يزن القلب مقدار ريشة الحقّ. هي الجنّة التي يطمح إليها نبلاء النفس، ولكن يعلم العاقلون أنها قد لا توجد أبداً. العاقلون يذهبون إلى جنّة روما، ويتعايشون مع الحياة. 

الحقيقة هناك. في روما.

في روما، ما أكثر الهالات، وما أوفر السخرية المبطنة الذكية. الفن للحياة في روما، والفن للدين في الأقصر، حيث لا استخفاف، حيث كل شيء محاط بالقداسة، بلا هالات كاذبة. ليتها تكون الحقيقة، إذاً لارتاح أهل الفكر والفلسفة، ولوجدوا في ما نُقِشَ ودُوِّنَ على جدران المعابد المصرية عزاء عن سيادة الحس والشهوة.

الأقصر وروما وأسوان وفلورنسا. مدينة للفلسفة، ومدينة للحب، ومدينة للسلطة، ومدينة للاحتواء. ما الذي يجمع بين تلك المدن؟ أُحِبُّ أن أسمّيها مدن الحبّ والاستعراض. في كل وجدتُ حبّ الحياة وحبّ الموت وحبّ الدين وحبّ السلطة، واستعراض الحياة واستعراض الموت واستعراض الدين واستعراض السلطة بالطبع.

عدت من الأقصر وأسوان وأنا خائفة من أن أكون قد وقعت في حب مصر لم تعد موجودة. ستظل الآثار موجودة، فقد تحدّت تصاريف الزمن قروناً طويلة، ولكني أفتقد الحياة التي كانت فيها والتي رأيتها جامدة على الجدران وفي ردهات المعابد. ربما كانت الحياة وقتها كما هي الآن؛ بسيطة ويومية في معظمها، وربما كانت المشاهد العظيمة المجسدة هنا وهناك ملامح عابرة في حياة المصري اليومية، ولكن هذه المشاهد العابرة لم تعد موجودة، وكل ذلك الحب الذي بُنِيَ به الصرح تلو الصرح لم يعد موجودا. يمرّ الزائرون سريعا على المشهد تِلْو المشهد فيفغرون فيهم، ثم يعبرون هم أيضاً متلهفين على مشهد جديد. كلما توقفت لأملأ عيني وقلبي وعقلي من مشهد، محاولة أن أستوعب الأحداث والتفصيلات وأربطها بما رأيت وما أعرف، نظر لي الجميع شذرا مستحثينني على الإسراع مثلهم "حتى نرى كل شيء ونلحق بالباص".

ثم عدت من روما وفلورنسا وقد اختلطت عليّ المشاعر؛ هناك وجدْتُ تفاصيلَ تُلْهِبُ حواسِّي، وأجواءً وملامحَ من ذاكرة الطفولة الهاربة أود لو أنّي أعيشها من جديد، ولكن الإغراق في الحياة أخافني بقدر ما أنعشني. قد أملّ الجنة التي تُقَدِّمُها روما بعد عشر سنين، وقد حفِظْتُ تفاصيلها وفهِمْتُ رسائلها الخفية، فهل يمكن أن أوقن بوجود الجنة المصرية؟ هل هي حقا الجنة المثالية التي يصبح فيها الأهم هو أن تؤمن وتقرأ وتسمو بإدراكك، لا أن تشعر فقط؟ أخافني الإيمان بوجود تلك الجنة. أخافني أن لا تكون موجودة، وأنجذِب للشهوات فأنسى ادّعائاتي، وأنضم للعقلاء الذين لم يزهدوا الحياة بعد. أخافني أن فكرت في قدرتي على أن أتصالح مع شتاتي وأمتلك ناصية أموري. أخافني أن أُحب، وأن لا أُحب. يقولون أن الخطوة الأولى في النضج هي أن تكتشف ما تخاف، وقد كانت هاتان الرحلتان رحلتي متعة واكتشاف، فماذا بعد؟

لا زالت قصة الحب والاكتشاف في بدايتها إذاً، ولو أنني أعرف أن الحب العابر للمسافات لا يعيش طويلا، وأن الاكتشاف يحتاج المزيد من الشجاعة والمواجهة، ولكنّني عازمة على تكرار المحاولة، والاستزادة من الفهم. ربما لا يكون السحر مفقوداً بعد، وربما أجد طريقة للعبور إلى ذلك الماضي والعودة، علّني أجد نفسي، أو لا أجدها، وعلّني أفهم وأدرك وأوقن، أو أقتنع بعبثية المحاولة، فأستقر أخيراً.
 
نيل الأقصر (تصويري)


نهر التايبر (تصويري)

Template by:
Free Blog Templates