Tuesday, May 10, 2011

الثوب الأزرق

في عمر الستة أشهر
ألبسوها ثوباً جديداً
أبيضَ و أزرق
و أرسلوها إلى الصحراء
لتتعلم المشي على الرمال
و تتحدّث اللغة الرمليّة
فقط لأمدٍ مؤقت
****************
وَقَفَتْ على حافة الظلّ و النور
كان الفناء مشطوراً
ثلثٌ يظله سقف من صفيح ساخن
و ثلثٌ تحرقه الشمس
تقف على الحافّة
تقفز من نورٍ للظلّ
معتقدة أنها تعبر بوابة إلى واحة خضراء
أدركت لأول مرة عندما عبرت للظل أنها هِيَ
و أن الظلّ مصنوعٌ من الأسمنت
نظرت لنفسها بتمعُّن
"هل أنتِ أنا؟"
كانت تلبس ثوباً أزرق
و بدأت الرحلة
****************
كان في الصحراء حديقةٌ و سماءٌ و مدرسة
أحبّت الحديقة
لا زالت تتذكر رائحة الحديقة
أحبت الصيف لأنه كان يجلب معه الحديقة
لم تكن تسمع، و لكنها كانت تتكلم كثيرا
و تعلمت أن تصرخ أحياناً كثيرة عندما ترى خرطوم المياه
لم يكن خرطوم المياه يسقي الحديقة
زارت الحديقة مرتين
ثم ماتت الحديقة في ظروف غامضة
*****************
كانت الدمية جالسة على كرسيّ
و كانت ترتدي ثوباً أزرق
لماذا كانت الدمية تجلس على كرسيّ؟
و لتحسم الأمر
رسمت الدمية على ورقة
و لكن الدمية الورقية لم تتحرك
عرفت كيف تحول الورق إلى أحلام
و بقيت الأحلام كسيحة
*****************
عندما ملّت من الكتب
تعلمت أن تنظر للسماء و تستقرأ خارطة النجوم
أحبت العربة المعلقة
أم كانت قوساً بلا سهم؟
ستذهب إلى السماء مرّةً لتحسم هذا الأمر
كان السلم في الفناء يرتقي بها إلى العربة
تركبها أحيانا لتهرب من الصمت
و تطير
****************
عندما أوصلها والدها أول مرة إلى المدرسة
بالثوب الأزرق
كان الوقت عصراً
و كانت المعلمة لطيفة
و الفصل جميلاً
و لكن الأولاد مزّقوا الثوب
شعرت بالرعب البارد في قدميها
نظرت إلى الساحة الرملية
و عرفت أنها لن تستطيع الهرب
و ستأكل كثيراً من التراب
لم يأت أحد ليأخذها منذ ذلك اليوم
و عاشت منذ عصر ذلك اليوم في المدرسة
*****************
وقفت في الطابور
لم يخبرها أحدٌ أن اليوم تطعيم
كانت في ذاك الوقت يتيمة
و لم تدري أن اليتيم أيضا لا بدّ أن يطعم
في الطابور اتَّضَحَ أنها لا تعرف أحداً
و أن أحداً لا يعرفها
كان الرعب بارداً .. موحشاً
انكمشت في الحائط
و انكمش الثوب الأزرق
*****************
عندما سحبوا الأرض المرصفة من تحت قدميها
صرخت .. و صرخت
كيف ستمشي من دون الأرض!
ضحكت عليها الأرض و قالت:
فقط الأيتام يضعون أيديهم على وجوههم و يبكون
فقدت منذ ذلك الحين صلابة الأرض
و غاصت في الرمل
دام التيه في الفناء الرملي سنينا ً
*****************
"إني الآن شبه امرأة"
عندئذ قالوا لها أن الجمال هو مفتاح الرضا
و كَرَّموا ملكة جمال الشتاء
و أعطوها تاجا من ذهب و لؤلؤ
نظرت إلى وجهها في نصف المرآة
المستند على طرف شباكها الصديء
كانت إلى ذلك الوقت تظن
أن المرآة تصلح فقط لتمشيط الشعر
ضحكت، و سخِرَت قبل أن يسخروا
ثم التفتت لترى عيوناً و أَيْدِيَ آثمة
تمتدّ إلى الثوب الأزرق
انطلقت
منها صرخاتٌ تستنجد
لكنها أدركت أن كاتماً للصوت يستقرّ على وجهها
هربت للداخل
و تعلّمت أنّ رعبها خير سلاح
خطَّت بالفحم الأسود على المرآة
ثم حاولت أن تمسح الخطوط السوداء
لكن وجهها رقد إلى الأبد هناك
*****************
تقف وراء الباب الخشبيّ المتهالك
و من خلفها المُدَرِّسة من وراء حائطٍ زجاجي
لا تسمع ما يدور على الجانب الآخر
تستند هي على الباب بكلّ قوتها
و لكن الباب يُكْسَر
و تدخل أفواجٌ من النمل اللّزج
تعبث بالأركان و تسأل أسئلة لزجة
تحاول هي أن تهرب
و لكن الأرض ممرات مرسومة و مُحكمة
لا مفرّ
تقع .. يتمزق الثوب .. و تتظاهر هي بالموت
بل إنها تموت فعلاً
فيمشي النمل .. واعداً بأن يعود في الغد بعد أن تصلح الباب
******************
دقّات على الباب يوم العيد
كانت تنتظر الدقّات
اختبأت وراء الباب، لقد أصبح باباً من حديد
اختبأت وراء الباب و في حجرها أرنب مذعور
"اذهبوا! لن أستطيع الخروج!"
لم تطل الدقّات
سمعت فيما بعد صوت اللعب و الضحكات
"جاء العيد"
نظرت إلى حجرها
لم تكن ترتدي إلا الثوب الأزرق
و الأرنب المذعور
******************
حان أوان الرحيل
حقاً؟!
ستترك هذا المكمن المظلم،
لتذهب و تعيش في ضوء الجنة؟!
سينتهي الوضع المؤقت؟!
لم تجد أصدقاء لتودعهم
فقط الفناء، و السماء
سَجَّتِ الثوب الأزرق على الأرض
ألقت عليه أوراق الكرم البرتقاليّة
و الوداع
******************
نسجت جناحين صغيرين
لتطير
كانت ترتديهما خلسة
و دوما ما كانت تطير لِوِجْهَةٍ واحدة
و ذات صيفٍ جميل
ظنّها بعض الصيادين طائراً حقيقياً
فأطلقوا عليها وابلاً من السهام
لم تصرخ
فقد علّمها الخرطوم القديم ألّا ترفع صوتها
حتّى لا يعلم أحد بمخبأ عقلها
حملت السهام و الجناحين
و تحاملت إلى وجهتها
فوجدت الباب مغلقاً
******************
عندما حطّ الطائر الحزين في حجرها
ضربه أبوها بالعصا ليموت
ثم أمرها أن تُولِم عليه
فعلت
و جمعت ريشه لتتسج منه جناحين
صهرت عليهما شمعاً
و صهرت شمعا في عينيها
علّقت الجناحين على الحائط
تنفست صعداءً أليمة
و تركت نفسها للظلام يقودها إلى النور
لعلّ الظلام يكون وضعاً مؤقت

Friday, February 18, 2011

خواطر عن الثورة المصرية

كُلُّكُم راعٍ، و كُلُّكُم مسئولٌ عن رَعِيَّتِه

لطالما أبهرتني عبقرية عمر التي خطَّتها قريحة العقاد، و لقد قرأتها مراراً منذ أن كنت في السادسة، و كل صيف، إذ لم يكن لديّ ما يُؤنس وحشتي في الغربة إلا قراءة أمثال تلك الدُّرر من الكتب. قرأت عبقرية عمر في ذلك السن الغضّ، فأحببت عمر، و أحببت العقاد، و أحببت العدل الذي لا تهاون فيه و لا مواربة. و تعلّمت في سنٍّ مبكرٍ مبدأً بسيطاً مباشراً: الحاكم لا بدّ و أن يكون عادلاً، و لا بدّ أن يتولّى شئون رعيته و يُدرك ما ينقصهم، و يعمل على النهوض بشأنهم و إعلاء أمرهم بما فيه صلاحهم و صلاح الأمّة ككل.
و عندما عدت إلى مصر، رأيت الصراع متجسدا في كل مكان على أشياء كنت أحسبها من توافه الأمور. لِمَ يتصارع الطلاب في صَفِّي على درجة يدخلون بها كلية الطب؟ لِمَ تقف الناس في طوابير من العرق و نفاذ الصبر و الحيلة؟ لِمَ تمتليء الصحف بأخبار الفساد و سرقات الكبار تلميحاً حيناً و تصريحاً حيناً؟ لِمَ تمتليء كاريكاتيرات أحمد رجب و مصطفي حسين بالتهكم على أحوال السياسة و المجتمع؟ ثم نكست الرأس عن كل هذا و انشغلت أنا أيضاً بتوافه الأمور، و لم أعد أقرأ، و لم أعد أتساءل لماذا لسنا في مدينة فاضلة يسودها العدل. تقبّلت أن هناك الكثير من الفقر، و الكثير من الجهل، و الكثير من التّهاون في الحقوق، و الكثير من الاستسلام للأمر الواقع و السير مع التيار الذي بدا جارفاً لكلّ شيءٍ جميلٍ داخل المصريين. كنت أرى الأفلام السينمائية التي تتعرّض لمظاهر الفساد في مصر فأشعر بضيق الصدر و قلة الحيلة و الرُّعب من أن تطالني صدفة تَعِسَةٌ فأُظْلَمَ من دون أن أفهم. و لم أكن أدرك أنّه في كل يوم أذهب فيه لأتعلّم فتَصْرَعَني عجلات نظام تعليمٍ يقتل النور بداخلي و لا يجعلني أفضل كنت أُظْلَم، و أنّ غيري كان محروماً حتّى من هذا التعليم الذي لا ينفع، و أنّ غيرهم لم يكن يطمح حتّى في التعلُّم، و إنّما في وجبة عشاء لأطفاله لِيَوْم.
كبرت و تَوَظَّفْت، و هذا حق أُتِيحَ لي و ربّما لم يكن لِيُتَحْ لي في نظام آخر، و لكن كانت هناك أوجه أخرى يتجلّى فيها الظلم؛ أين المنظومة الجامعية التي ستعيننا على أن ننهض بشباب الوطن لِيَتَعلّموا و ينهضوا بالوطن؟ أين الوعي الاجتماعي الذي يجعل هؤلاء الشباب و إيّانا في سعي لأن نشارك في إصلاح مجتمعنا. كنت أرى في المعظم أناساً غلبت مصالحهم الشخصية على كل شيء، و اكتشفت أن الأنانية هي السمة الفائزة، و أنّي لا أستطيع أن ألوم السَّاعينَ للمصالح الشخصية لأنّ هذا إفراز منظومةٍ طاحنةٍ لأيّ إنكارٍ للذّات. إن كنت تعمل بوازعٍ من ضميرك فَسَتَعْمَل المزيد و المزيد، و إن تَوَقَّفْتَ فأنت مُجرم و ستُحاسَب، أمّا إن كنت لا تعمل من الأساس فأنت "مفقود فيك الأمل" و ستُتْرَكُ لِحَالِك. هكذا ينجو الكُسالى و العاملون لمصالحهم و يظلُّ المجتهدون يدورون في "الساقية" إلى أن تأتيهم فرصة للهرب. و قد هرب جزءٌ مِنِّي إلى هُنا، لم يكن السبب الوحيد أنّي أردت أن أتعلّم بأسلوب جديد و في منظومة جديدة. و اكتشفتُ بعد قدومي إلى هنا ما الذي يجعل المبعوثين منبهرين بالنظام الغربي: أنك تعلم أنّه بمقدار اجتهادِك و تَحَضُّرِكَ سَيَكون تقديرُك. ما هِيَ الكلمة؟ العدْل!
عدت هنا إلى فَهْمِي الأصليّ - المثاليّ - لِفِكْرَةِ الدّولة و الحاكم، و استقر في نفسي أنّ الحاكم العادل عندما يتصدّى لولاية أمر شعبه فلا عُذر لَهُ في جهلٍ أو تخاذلٍ عن كل جهدٍ يمكن بذله للنُّهوض بحال بلاده. إن تَوَلِّيَ أمور الناس واجبٌ جسيم، و بتجنيب السياسة و ألاعيبها التي لا أفهمُها - و لا أُقدِّر من يلعب بعدم فهمِها ك"كارت" تبريرٍ للحال المُزْري الذي وصل إليه جزءٌ كبيرٌ من المصريين - فإن أقلَّ واجبٍ على الحاكم أن يَحْكُمَ ثلاثين عاماً فلا يظلّ من شعبه مدقعٌ في الفقر يفترِش الأرصفة و ينام في الشوارع عارياً من الملبس و الكرامة، في ظل دولة من المفترض أنّها تنعم بالأمن و لا تخوض حرباً تستنزِف مواردها، تلك الموارد التي يسمعُ عنها عامّة الناس فَيَتَعَجَّبون: سياحةٌ و قناةٌ بحريةٌ و استثماراتٌ أجنبيةٌ و غازٌ طبيعيٌّ و بترولٌ و عمالةٌ تملأ الوطن العربي من شرقه لغربه. من المفترض أن تحكم ثلاثين عاما فتُلْغِيَ المركزيّة في العاصمة و تتيحَ الخدمات و الاستثمارات في المُدُنِ الأخرى التي يسكنُها أناسٌ أيضاً، و تُوَسِّعَ من رقعة البلاد لينعم أبناؤها جميعاً بِيُسْرِ الحياة و لا يَسْعَوْا للتَّكَدُّسِ على ضفاف النيل الذي ضاق بساكنيه. من المفترض أن تحكم ثلاثين عاما فتنتعش الزراعة التي هي رأس مال بلادٍ حباها الله بِنِيلٍ يسقي ضفافه الخِصْبَ و الحياة. من المفترض أن تحكم ثلاثين عاما فتنشر فكراً واعياً بمعطياتنا الاجتماعية و السياسية، لا أن ترعى تفاهة في الفكر و استهلاكية في العلم و الفن و الأدب و تمجيدا للحاكم الأب. من المفترض أن تحكم ثلاثين عاما فتنشر الأمن و العدل و الرحمة بين الناس و تُعَزِّزَ من القيم الجميلة التي كانت تتّخِذُ مِنَ المصريين موطناً و تتجلَّى في أفعالهم منهجاً. من المفترض أن تحكم ثلاثين عاما فلا تكتفيَ بتقارير المُبَلِّغيَن و لا تأكيداتِ البطانة التي لا يعلمُ مدى فسادها أو صلاحها إلا الله، لا تكتفي بهذا فتنزلَ إلى شوارع بلدك و تتحرَّى أحوال رعيتك و ترى بعينك ما يأكلون - أو ما لا يأكلون - و كيف يفكرون - أو كيف توقفوا عن التفكير - و ما يشغلهم من أمور حياتهم و ما يرغبون أن تعمل عليه لِتُحَسِّنَ من تلك الحياة.
تَفَكَّرتُ في هذا كله و لم أعرف سبيلا لتصحيحه، تفكرت في هذا ثم أقنعت نفسي بعبثية الأمر بِرُمَّتِه و بِأَنَّ في الصورة عناصر أكبر من إدراكي المثالي؛ إن الحياة مليئة بالمآسي و مليئة أيضاً بالتفاهات، و طالما لم يقع عليّ ظلم بين فلا بأس هناك، و ليرحم الله المظلومين إن استحقوا الرحمة.
ثم قامت الثورة على النظام المصري الحاكم..
و لقد كنتُ في البدء أخجل مِنْ أن أدعوها ثورة، بل و لمَّا رأيت إرهاصاتها على فيسبوك - و أنا من المستخدمين المدمنين له - ضحكت، ليس سخرية من المتظاهرين و لا من مطالبهم، و لكن من عبثيَّة الأمل في أن يتغير شيء، فلطالما تظاهر المصريون في السنوات الأخيرة. و على قدر ما كان يحدوني الأمل عندما كنت أرى أن حراكاً في الماء السياسيِّ و المجتمعيِّ الراكد منذ زمنٍ طويلٍ قد بدأ يغلي تحت سطح السلبية و الصمت المغلوب على أمره، فإني كنت أقول لنفسي أنّها "القِلَّةُ" المثقفة - و التي دُعِيَتْ بعد ذلك بالقِلَّةِ المُنْدَسَّة - و أنَّ الأغلبية ستظل تصمتُ و تَجْبُن، و أنا منهم. إنَّ غايةَ آمالي كانت أن أكون مصلحةً اجتماعيّةً و أن أعمل بإتقانٍ علَّ هذا يشفعُ لي سَلْبِيَّتي. و لَمْ أحلُم بأن أرى ما حدث، و ليتني كنت هناك! إن السخرية التي انقلبت إلى انبهار، و الكفر بالأمل الذي انقلب إلى إيمان، لَهُمَا أكبرُ مِنْ أن يوصفا بالكلمات..
إنّ الذين انتقدوا ثبات الثائرين على مبدئهم فاتهم أن يُدْرِكوا أشياءَ كثيرة؛ فاتهم أن يُدركوا أن الثورة الحقيقيّة لم تكن على النظام قدر ما كانت على السلبيّة و الاستسلام للعبث بالمُقَدَّرات، فاتهم أن يُدركوا أن لو كان الثائرون قد عادوا إلى بيوتهم لكانت جذوة ذلك الأمل الذي وُلِدَ بداخلنا جميعاً قد ماتت و دُفِنَت إلى الأبد، فاتهم أن الثورة على الظُّلم ليست نزهة يعود المتنزهون منها لِيُكَرِّرُوها بعد حين كُلَّما أرادوا، و إنّما هي مخاضٌ لا بد أن تُكْتَبَ بعضُ سطوره بالدماء و التضحيات.
إن المصري بطبعه مسالم، و قد أرجع توفيق الحكيم - في يومياته كَنَائِبٍ في الأرياف - هذه الطبيعة لارتباط المصري بأرضه و زرعه، فالذي يزرع لا يُحَطِّمُ و لا "يوقف الحال". و حَوْلَ هذه الأطروحة كانت النداءات التي رأت أن تُغَلِّبَ صوت العقل و تسيير الأمور. كُلُّ هذا تغيَّرَ الآن، فالمصريُّ لم يعد مزارعاً مسالماً، و إنما أصبح مهندساً و طبيباً و موظفاً و عاملاً و تاجراً و طالباً و ناشطاً، و عاطلاً أيضا، و لذلك لم يَعُدْ من المُمكِن التنبؤ بِرَدِّ فِعله إذا ضَغَطَت عليه الظروف أكثر من اللازم، سواء كانت ظروفاً اقتصاديّة و اجتماعيّة لِرَجُلِ الشارع البسيط أو ظروف قهرٍ فكريٍّ و سياسيٍّ للمُثَقَّفِ و النَّاشط. ثار هؤلاء جميعا؛ بدأ المثقفون و الطلاب الذين يريدون مساحةً حُرّة لِوَعْيِهِم لا قهر فيها و لا قمع، و تَلَاهُمُ البُسطاء الذين يتلَخَّصُ حُلْمُهم في حياةٍ كريمةٍ لا تُشَوِّهُها الفاقة و المهانة.
و لقد تابعتُ بشغفٍ و بقلقٍ أيضاً كلَّ ما كان يحدُث، و لقد انتابتني نوباتٌ مِنْ ضحكٍ مُرٍّ يُشْرِفُ على البكاء الأَمَرِّ كُلَّما رأيتُ دعواتِ "الأب الزعيم" و "أخلاق المصريين التي تعفو" و "لا تلوموه على بطانة السوء فهو لم يكن يعرف حجم الفساد و الغُبْن الذي لَحِقَ بشعبه" و "أعطوه فرصةً أخرى لِيُصَحِّحَ الأوضاع" و "لا يجوز الخروج عنِ الحاكم، و لَحَاكِمٌ ظالم أهونُ شراً من وضعٍ أمنيٍّ غير مستقرّ". أيُّ أب؟! أيُّ أخلاقٍ تَذَكَّرَها المصريون الآن بعد أن أصبح الكثيرُ مُرْتَشين فقط لِيَتَمَكَّنوا من العيشِ بكرامة؟! أيُّ تغييب يُغْفرُ للحاكم؟! أيُّ تصحيحٍ بعد أنْ فاض الكَيْل؟! و أيُّ ظلمٍ هَيِّنٍ يستحقُّ من أجله أن يَتَحَمَّلَ الناس الجوع و الفقر و المهانة بالدّاخل و الخارج ؟! لقد انساق الناس وراء كل كلمة هَوْناً، و قد يكون لهم العذر في حالة الفزع التي أَلَمَّتْ بالبلاد، و لكن أن يلوموا الذين ثاروا على الظُّلم لأنَّهم ثاروا، و لا يُوَجِّهوا اللوم لمن أثار الذعر في الأصل، فهذا شيء استعصى عليّ فهمه و التعاطف معه.
تنازع المصريون على الشبكة العنكبوتية و غرِقوا في صراعات و تصفية حسابات و توجيه اللّوم إلى أيّ شيءٍ عكَّرَ عَلَيْهِمُ الأمن الزائف الذي تَوَهَّموا وجوده في سلبيتهم، و نسوا أنّ المعجزة قد حدثت، و أنَّ حاجز الصمت قد كُسِر، و لقد صمد الثائرون بنبل ضُرِبَت به الأمثال هنا في حين حورِبَ هُناك، و تحقَّقت لهم معجزة أخرى؛ لقد تمَّ لهم ما أرادوا! إن الفخر الذي شعرنا به هنا - و نحن لم نصنع شيئاً و لم نبذل جُهداً و لا دماً - أصبح تاجاً على رؤوسنا يَحْسُدُنا عليه الأجانب! لقد ضربوا بهؤلاء الثائرين المثل؛ في صمودهم، في دعوتهم للسلمِيَّة في التظاهر، في حمايتهم للمصلِّين مُسلمين و مسيحييِّن، في تنظيفهم لميدان التحرير في نهاية اليوم.
و لكنَّ الطريق طويلٌ و صعب، و تنظيفُ الشوارع يظلُّ أيْسر من تنظيف العقول من الأفكار السلبيّة و التبعيّة الفكريّة، و أيْسر من تنظيف التصرفات من التَّكاسُل و السعي للمصلحة الشخصية على حساب أيِّ شيء. لا يزالُ هناك الكثير مِمَّا يجب فِعْلُه، فنحن أطفالٌ نحبو الآن في دنيا رحبةٍ مليئةٍ بالطموحاتِ و الأطماعِ و التحديات، و لا بدَّ أن نكبر سريعاً - فقد صرنا بلا "أبّ" - و نَفْطِمَ أنفُسَنا بأنفُسِنا عن الاستسلام و التخاذل و الاعتماد على أكذوبة أنَّ فهم الآخرين مُنْقِذٌ لنا من الشَّتات، و لا بدّ أن نعملَ بجِدٍّ لِنُحَقِّق الرِّفْعَةَ لِبلادِنا، و لا بدَّ أن ينضج وعيُنا السياسيُّ و المجتمعيُّ لِنَسْتَحِقَّ أن نَكونّ أحراراً من وصاية "الكبار الذين يفهمون أفضل". لا بد أن نتعلَّم أن نتقبَّل على مضضٍ اختلافاتِنا، و نتعلَّم كيف نتعاونُ لِنَبْني، و الأهمّ من ذلك أن نتعلَّم كيف نَعدِل و نُقَوِّم أنفسنا.
عندما قاطعتِ امرأةٌ عُمر ابن الخطاب في المسجد لمَّا أراد أن يُقَيِّدَ حقاً من حقوقها، و لا أقول أن يأكُل حقاً من حقوقها، فقال أصابتِ امرأة و أخطأ عمر! كان هذا من باب تقويم الحاكم إن بَدَرَ مِنْهُ شُبهة الحَيْفِ عنِ الحقّ، حتّى و إن كان حقاً تافهاً كالمُهُور! و مَنْ هُوَ الحاكم الذي نتحدَّثُ عنه؟ رجلٌ كان العدْل دَيْدَنَه. رجلٌ أَبَى إحساسه بالعدْلِ أنْ يُسلمَ فلا يهدأَ حتّى يَقْتَصَّ مِنْ نَفْسِهِ جزاءَ إيذائِه للمُسلِمين، و يذهبَ فَوْرَ إسلامِهِ لِيَحْتَكَّ بالكُفَّارِ كَيْ يُؤْذُوه. ذلك عدْلٌ لا مداهنةَ فيه! رجلٌ عندما طلب منه الصحابةُ أنْ يُوصِيَ لابْنِهِ بالخلافة - و ابنُهُ عبد الله ابن عمر هُوَ مَنْ هُوَ في فِقْهِهِ و عِلْمِهِ و حُسْنِ اتِّبَاعِهِ للرَّسولِ الكريمِ عليهِ الصلاة و السلام - فَيَقول عمرُ أنَّ حسْب آل الخطاب مِنَ الإمارة أن كان هو أميراً للمؤمنين، "فإن كان خيراً فَقَدْ أَصَبْنا منه، و إن كان شرّاً
فَبِحَسْبِ آل عمر أن يُحَاسَبَ مِنْهُم رجلٌ واحدٌ و يُسْأَلَ عنْ أَمْرِ أُمَّةِ مُحمّد، أمَّا لقد جهدت نفسي، و حرمت أهلي، و إن نجوتُ كفافاً لا وزرَ و لا أجرَ إنِّي لَسَعِيد."
و إن نجوت كفافاً لا وزر و لا أجر إني لسعيد ..
إنَّ تَوَلِّيَ أمورِ النّاس ليس بالهَيِّن، و عَلَى من يتصدَّى لهذا الواجب أنْ يَعْلَمَ أنَّه ليس لِيُشَرِّفَ المحكوم بِحُكْمِه. إنْ كان حاكِمٌ قدْ خاض حرباً لِيُحَرِّرَ شبراً مِنْ وطنِهِ فهذا واجبٌ و شرف، و لا يُنْكَرُ جِهَادُهُ و لا يُنْتَقَصُ من قَدْرِه، و لكن لن يُؤَلَّهَ و يُغْفَرَ لَهُ ما قَصَّرَ في حقِّ أبناءِ شعبه. لِلْحَاكِمِ الاحترامُ نعم، و لكن عَلَيْهِ واجبٌ ثقيلٌ دُونَهُ حِسابٌ لا بدَّ أن يكونَ عسيراً، و كما قال أحد الشبان في ميدان التحرير: إن ما فعلناه سَيُعَلِّمُ القادمَ أن يُفَكِّرَ ألفَ مرّةٍ قبل أن يظلِم شعبه إمَّا عمداً أو غفلةً و تجاهُلاً.
عاشت مصر منارةً حُرّة، و دام للمصرييّن عِزُّهُم، و أَعْلَى الله شأنَ بلادي بيْنَ الأُممِ بِيَدِ أبنائها الشُّرفاء، و جَعَلَنِي اللهُ مِنْهُمْ

Sunday, December 5, 2010

أشرعة متكسرة، و جنون البحر، و أشياء أخرى

تحدّق في عين رأسها التي من المفترض أنها هناك
نافذةٌ على حكمة الروح
تنظرُ فلا ترى أفقاً، و لا هرماً من المعرفة
ترى أنفاً
يرقد على قصبته عمر
و جمع العمر في القواعد تكسير
و أصوات من الذكرى و أصوات من الحلم تضج في أذنٍ واحدة
فالأخرى أكلها صقرٌ منذ زمنٍ ليس ببعيد
ظلّت تُنْبِتُها لفترة، ثم يئست
و بعدما أكلها الصقر تحوّل إلى طائر ليلٍ حزين
فتفكّرت ... إنّ أذنها لن تضيع هباء
أحبّت أن تقترن بمصير فان جوخ و بيتهوفين
علّ اسمها يُخلَّد، و لو حتى تحت مصنّف الحمقى رقم واحد
**************
هي تملك من حطام الدنيا الآن أنفاً و أذناً و عيناً
و سفينة مشرعة بقماش الحزن - اشترته بتسعة آلافٍ أو يزيدون
ليس لها أسوار و لا دفة إتجاه
ترقد على قمة موجة عالية في بحرٍ خامد مسكون
و بما أنها تخاف من المرتفعات و الغرق
تقبع في منتصف حبسها الإنفراديّ
على مسافاتٍ متساويةٍ من الأعلى و الأسفل و الأركان الأربع
تعرف أن النظر إلى الأعلى ربّما ينقذها من السقوط
و لكنّ الأسفل أيضاً يدعوها، كصوت ساحرات الماء الإغريق
ترى ماذا يحدث لو انطلقت و سمحت لجنون الدفع الذاتيّ أن يستبدّ بها كما يستبدّ المسُّ بالمجنون؟!
أتسبحُ أم تطير؟
أتسقطُ أم تغرق؟
**************
بالأسفل خيطُ رمادٍ محترقٍ يسحبُ روحها
و ذكرياتٌ مسجّاةٌ على بساط الريح
كان يجب أن تركب بساط الريح منذ زمن
و لكنّ الريح لم تأت أبداً بما تحب
كانتِ الأشرعة دوماً ضدّ إتجاه الرياح
و كلّما تمزقت الأشرعة رتقتها مراراً بخيوطٍ من فضة
علّ هذا يكون قرباناً ثميناً يشفع لها لدى ملوك الرياح
لكنّ ملوك الرياح أخذوا الخيوط الفضية
و ظلّوا يطلبون المزيد
فسجدت و ألهجت في الدعاء
أن تنبت للسفينة أجنحة من نسيج بساط الريح الأسطوريّ
و أنبتت السفينة أجنحة ... من رماد فضيّ
**************
تطلّ من الشرفة على الماء والسماء
و حتى لا تسقط في حبال المعضلة المنطقية؛
أيّهم أهون: أتطير أم تغرق؟
أتتعلّم العوم أم تسقط كما إبن فرناس؟
فهي تحدّق في الطريق المرسوم فوق أنفها
علّ عيني النظر يتّحدان في عين الحكمة
و تمشي على إفريز السفينة، متّحدة مع الهلع الذي تبتلعه
كدواءٍ فيه هلاكٌ فيه دواء
و تستحضر كل طاقات الجنون المجنون
لتصرخ ... و تجري
...

Tuesday, September 28, 2010

صحوت اليوم على أمل

صحوتُ اليومَ على أملْ
يطيرُ بيْن جنْبي القلبِ الأسير
حطَّ من البعيد
و في طرْفِهِ رسالة
هل نظرتَ اليوم إلى الأفقِ البعيد؟
و ألقَيْتَ التَّحية؟
أتطلّع
و في قلبي نداء و تضرع
يا رب
تَمَسَّحْتُ بالأعتاب
و أطلقتُ سراحَ جنوني
و تنَسَّمْتُ عبيراً من الرحمة
و ناديت
أيُّها القلبُ الكسير
تأمَّل في عطفِ الرَّبِّ الكبير
و افهم
و تعلّم
أنَّ ماضيكَ المُحْزِن
ما هُوَ إلا لحنٌ خشنُ الطَّبْع تبدأُ بهِ المَقْطوعَة
و أنَّ كُلَّ سكّينٍ غرزتها الأيام
رَسَمَتْ لوحةً في متحفك
و انظر إلى آثارِ رحمةِ ربك
و اشكر
ربّما كنتَ تعيساً أياماً كثيرة
و لكنّك سَعِدْتَ يوماً
و لَعَمْرِكَ هذه نعمةٌ تحسدك الدنيا عليها
فاقبل
و اعتنقِ السَّلَام

Sunday, September 12, 2010

أنوار

تقف مُتَشَبِّثةً بالسور
تحتها أنوار المدينة خافتةً مُغرية، و أصواتٌ بعيدة
و فوقها أنوار أبعد
يَمْتَزِجُ الأحمرُ و الأسود
تنظر من طرف عينيها لِتَرى شعرها يتطاير بِخِفَّةٍ مع نسائم الليل
و من أطرافه تتناثر ملامحٌ من مشاهد قديمة
تتمنّى لو كانت على حافة باخرة تَعُبُّ أمواج المحيط
لِتَرْحَلَ من جديد
...............
هناك صوت لِأُمِّ كُلثوم في الخلفية
يُذَكِّرُها بالمذياع الذي كان رفيق والدها الوحيد
كانت في يومٍ من الأيام رفيقة والدها الوحيدة
بعد منتصف الليل.. يجلسانِ معاً في الظلمة
يرسمان في صمتٍ لوحاتٍ على صفحةِ السماء
هي تَنْظِمُ النجوم عقداً من الأحلام.. و هو يَنْفُثُ السجائر سحاباً
بلا كَلَلٍ كان السحاب يطارد الأحلام
و كانت فلسفات فارغة تتحاور مع خيالات فارغة
ثم تأتي الشمس فتمحو كل شيء
تختفي السماء و النجوم
و تَتَبَقّى أنوارٌ صفراء.. ثم تصير الأنوارُ بيضاء
ثم تَوَقَّفَ صوتُ المذياع
و لم يَعُدْ هناك رفيقٌ فلسفيٌّ في المساء
...............
على الجانب الشرقيّ من السور ريشاتٌ سوداء
تَتَمَرَّغُ في لوحاتٍ صفراء
تَتَذَكَّرُ أنْ لو كانت جدّتُها هنا
سَتُشيرُ إلى هناك، و تترجم لها كُلَّ لوحة
و سيضحكانِ معاً.. و ستأتي النساءُ الأخريات
ليُصْبِحُ الكُلُّ لوحة
ثم ينطفئُ النور، و يَنْفَضُّ الجمع
و تُفْقَدُ في الترجمة
...............
مِنَ ورائها كانت هناك عَيْنانِ تُتَرْجِمانِ لَوْحَتَها
لكنَّها لا ترتدي أنواراً
و سوادُها يُضارعُ سواد السماء
و لَيْسَ على جبينها نجمةٌ تُضيء
و لا فوق رأسها مصباح نورٌ يُومض
فقط يصدر من قلبها صوت مذياعٍ قديم
و همهمات من صندوق حكاوي الجَدَّة

Thursday, September 2, 2010

وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا

بسم الله الرحمن الرحيم
قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70)

لقد توقفت عند هذه الآية مراراً، و لطالما شعرت أنها ما هي إلا خطابٌ لبني البشر من الله أنّكم لن تفهموا الحكمة ممّا يحدث لكم إلا فيما بعد، و عليكم الآن أن تصبروا و أن تجتهدوا في الفهم لما يحدث، دون تجديف بحكمة الخالق الذي يعلم كل شيء.
لطالما صارَعْتُ نفسي لأفهم لماذا تحدث الأشياء، و لماذا لا تحدث، و لازلت أصارع نفسي و أتجاذب معها أطراف الجدل، تارة أحثّها أن تصبر، علّ الحكمة تتّضح فيما بعد، و تارة تغلبني فأقول أشياء مما نُحَدِّثُ بها أنفسنا حين اليأس من الفهم.
و لكن الأب يقول لولده عندما ينصحه: عندما تكبر ستفهم، فافعل الآن و ستفهم لاحقاً! و أعتقد أن كل من مرّ بالمراهقة يعرف جيداً مدى الغيظ الذي تُحْدِثُه تلك الكلمات في نفسٍ غِرَّة تخال أن العالم ملك البَنَان و لا منطق إلا منطقها. أحياناً أشعر بنفس الغيظ، و لكن أعود فأتذكر أنّي فيما بعد فهمت حكمة الأب، فلن تفهم تلك النفس الطائشة وقت حدوث الأشياء، لأن علمها في ذلك الوقت ناقص، و خبرتها محدودة إن لم تكن منعدمة. و حكمة الرّب أشمل و أوسع، فلابدّ أن علم الإنسان مهما اتّسع فلن يستوعب المقاصد من أحداث الدنيا. و لكن المشكلة أنّ الجاهل يتحدّى و يريد أن يختبر بنفسه، و لا يرغب في أن يستمع للصوت الذي يناديه حاثَّاً إياه أن يصبر حتى يكبر عقله و يمكنه أن يفهم كل تعليلٍ لكل لماذا.
أحياناً أتسائل، هل هناك حكمة من الأشياء حقاً؟ أَفَإن تصبّرنا و التزمنا التسليم التام لحكمة العليم و تركنا التمجيد لحُمْقِنا و اغترارنا بفهمنا المنقوص، هل سيكون هناك إجابات شافية لتَعَطُّشِنا لأن "نعلم" في آخر الطريق؟ ليس أمامي إلا الصبر، وليس الصبر بسهل، فسيدنا موسى لم يستطع الصبر و استعجل فهم الحكمة، و ليس أمامنا إلا أن نتذكّر قصّته لِنَحُثَّ النفس على أن تنتظر و تصبر، فكل شيء لا بدّ سيتضح في النهاية.

Monday, August 30, 2010

لهذا أكره الشمس

لماذا لا تلفح الشمس صفحة البحيرة مثلما تلفح صفحات وجوهنا؟
مهما قست الشمس، تظل الأمواج الصغيرة هادئة مسالمة
لا تتغضّن بالضّيق
بينما تظلّ الشمس تَطْحَنُنا و تَصْهَرُنا
تتطلّع الأمواج في سكينة إلى الشمس، و قد تتأثر و ترتفع حرارتها
لكنها ما تلبث أن تبرد في الليل، لتعود شابّة لم ينقص من عمرها شيء
و لم ينقص من زينتها شيء
و نَكْبُرُ نحن كل يومٍ عاماً
و يَتْرُكُ كلّ يومٍ يمضي في وجوهنا أثراً
و في أرواحنا ماضياً
تُشرق الشمس كلّ يوم
لتعود أمواجُ البحيرة تُطالعها في سكينة مُغِيظَة
فتنتقم الشمس منَّا و تَلْفَحَنا
و تسرقَ منَّا يوماً
و تَمْنَحَنا بدلاً منه عاماً

حملة تنظيف الخريف

قامت منذ الصباح الباكر لتُنَظِّف عقلها
التراب في معظم الأركان ... على كل الأحلام
و في المنتصف احتلَّت تفاهات بؤرة الضوء الكئيبة الوحيدة
رجعت للوراء ... وجدت صندوقين
واحد ممتلئ بكتب كانت صديقة
آنست عُزْلَتَها صيفاً تِلْو صيف
و غربة بعد غربة
و الصندوق الآخر لِعُلَبِ الدواء و السجائر
طوب و قوالب بَنَتْ بها حيواتٍ تمنّت أن تحياها
بدأت تكنس الغبار عن كتبها القديمة و أوراقها المهمة
و لملمت العلب الفارغة إلا من آثار الأحلام التي لطالما ألّفتها في لعبة التمثيل
أعادت ترتيب الصندوقين
و بدأت تلقي بال"كراكيب" الأخرى عرض النسيان
ثُمَّ أخذت تنفُضُ عن زوايا دماغها المعتمة شِبَاكاً من عنكبوت الوهم و أحلام اليقظة
أحياناً كانت تشعر بالتراب و رائحة الإهمال تخنقها
تتوقف ... تحاول أن تتنفّس ... أن تهرب
لكنّها تعرف أن لا مفر
لا بد أن تكمل المهمّة، لأن هذا مكانها الوحيد الذي لا بد أن تعيش فيه
لن يمكنها أن تؤجِّرَ الوهم بعد اليوم
فَكُلْفَتُهُ باهظةٌ و مساحته خانقة
تعود لِتُمْسِكَ بخلايا مخّها العاطلة و تهُزَّها لتفيق و تبدأ في التفكير من جديد
و تَرُشَّ - على مضضٍ - رائحة الأمل في الأركان
لعلَّ الرذاذ يكون مُقَدَّساً و مُطَهِّراً
فتحت الصندوقين، علَّها تستلهم منهما خطوتها القادمة
و فتحت شُبّاكاً صغيراً
ليدخل منه النّور ... إن جاء النّور

Wednesday, June 30, 2010

The rainbow that flatlined

Was she supposed to feel hope when she saw the rainbow filling the sky?
It was almost a perfect circle of soft colors, exactly as her science teacher once told her...
She couldn't deny its beauty, she couldn't help but be pleasantly surprised...
But she wanted to feel hope...
She wanted this rainbow to be her signal that all will be perfect soon...
She kept looking at it, maybe the feeling is there but she needs to give it time...
No...Nothing...It was just a beautiful rainbow...
No matter how hard she looked into herself there was not that glint of passionate hope that would have made her heart skip a beat...
The beats were normal, dull even...
It seems that her feelings flatlined...
She's devoid of all grandiose emotions...
It has become monotonous sober uninspiring daylight for her...
She looked at the rainbow one last time...
Then turned her back to it, and ran away...
And erected her walls again, higher, harsher...
She didn't want to feel anymore disappointments...
It was OK to flatline, for there was no point in climbing that hill then falling off the cliff...
It's fine to keep her feet on the solid surface of cold reason...
There's no problem with her days becoming a succession of innocuous mundane minutes...
Passion doesn't pay off, and no one will care how sincere it is...
So she let the dull rain extinguish it...
It is OK to not have hope...

أحلام فضّية

نظرت تلك المرأة إلى القمر في صفحة السماء
لم يكن مكتمل البهاء، لكنه أسبغ من بهائه المنقوص على الأمواج الغاضبة
أطيافاً من الأحلام الفضّية البرّاقة
صارت تراقب كل موجة و هي تختطف حلماً و تجري به إلى الشاطئ
هاربةً من أمواج تلاحقها
تتخيل أنّ في الشاطئ أحضاناً ستنقذها و تحتويها
كأن تحرّرها سيبدأ من ذاك الشاطئ
لكنّ الصخور الجامدة لا تلينها ستائر الضوء المنسدلة
لا تحتضن الأمواج إلا لتسرق منها الأحلام و تحطّمها
ترتدّ الموجات المنكسرة تصرخ أن الشاطئ حضنٌ خادع
و تضيع الصرخات بين هدير أمواجٍ أخرى متأمّلةٍ في الفوز بقطْعةٍ من الحلم
بقطْعةٍ من القمر
مصيرٌ بائسٌ ترمقه المرأة و يرمقه القمر بلا حيلة
لكنّه لا يبخل ببهاء الضوء الفضّي البرّاق
فلعلّ موجةً يتيمةً تنجح في أن تهربَ بحلم
تختبئ به في شاطئ بلا صخور
بلا أشلاء أحلامٍ من الماضي
أدارت المرأة ظهرها للموج و الشاطئ و القمر
و لم تمد يديها لتسرق هي الأخرى من أشعة القمر الفضّية
فالعالم الذي تعيش فيه لا يفهم العملات الفضّية
و نفضت عن ظهرها الأحلام
لا وقت للأحلام

Template by:
Free Blog Templates