Friday, May 16, 2014

أحلام بِتْفَسَّرْ

أنا باحترم أحلامي جدا. أحلام الليل، وأحلام اليقظة، لكن معنديش لسه أحلام للواقع.

تقريبا مفيش ليلة عدت عليا في حياتي من غير ما أحلم. معظم الوقت بافتكر أحلامي، ومعظم الوقت أحلامي بتكون فانتازيا ماتخطرش على بال حد. باحب أحلامي حتى لما بتخوفني، وباحبها حتى لما مش بافهمها. زمان كنت أصحى وأدور على تفسير الحلم، في الكتب، وبعدين على الإنترنت، بالعربي، وبعدين بالإنجليزي. كنت متخيلة إن الحلم رسالة من ربنا لازم أفك شفرتها علشان أفهمها وتنوبني فايدتها. بعدين اقتنعت إن الحلم رسالة مني ليا. يمكن رسالة من "أنا" اللي عاشت في الماضي، ويمكن من "أنا" اللي مستنياني في المستقبل. المهم إني في الحلم باكلم نفسي. رغم كده، مش بافهمني في أوقات كتير، ولا باقدر أفك شفرة الرسالة. أحلامي في العادة ليها ثيمات محددة. لما رجعنا مصر واستقرينا في شقتنا، كان الحلم دايما في بيتنا في ليبيا، وكان دايما كئيب، وكان دايما فيه شجرة العنب اللي كانت مزروعة في ركن البيت وفروعها مظللة داير ما يدور حوالين الحوش. دايما كنت أبقى فوق السطح، ودايما كان يبقى الوقت ليل، ودايما كان يبقى فيه نجوم كتير، زي ما كان بيبقى منظر السما في الحقيقة، بس دايما كانت النجوم موصولة في عقد هنا وسلسلة هناك، زي رسوم الأبراج الخيالية اللي بتوع الفلك والبخت حافظينها. لما نقلنا بيتنا الجديد في مصر، اتنقل الحلم لشقتنا. الشقة دي على صغرها وموقعها السيء وسط البناية كان ليها ذكريات حلوة، ويمكن علشان كده كانت أحلامها فيها عنفوان، بس كانت الثيمات تقليدية. دايما كنت أبقى في عربية (وأنا مبعرفش أسوق، وإن كنت وقتها عارفة الخطوات نظري)، ودايما بتضطرني الظروف إني أسوق العربية، ودايما عقلي بيحاول جهده يفتكر خطوات السواقة وينقلها لأعضائي، ودايما في حاجة بتجري ورايا وتحفّزني إني أهرب، ودايما الحلم يخلص قبل ما أوصل للهدف، اللي بيبقى غامض وهُلامي. تطوّر الموضوع لما اشتغلت، وبقيت أحلم إني طالعة سلالم، بس مش شايفة غير السلّمة الجايّة، وكلّ ما فوقها فراغ. طب ازاي أطلع السلمة دي ومفيش بعدها غير الفراغ؟ برضه كنت أطلع، وفورا ألاقي السلمة اللي بعدها اتجسدت. كنت أفضل أطلع لحد ما أفوق من الحلم. السلالم تطورت بعد كده وبقيت أشوفها كاملة، لكن بتلف في دوّامة مابتنتهيش؛ أطلع علشان أنزل، وأنزل علشان أطلع. حاجة كده تشبه سلالم إيشيريان*. الغريبة إني كنت باوصل لفوق في نهاية الحلم. فوق ده يبقى شقة حد من الأقارب أو الأصحاب، مكتب مدير، سطح، إلخ، المهم إنه مكان تنتهي عنده الرحلة.



العربيات والسوّاقة والسلالم (والأسانسيرات في أحيان نادرة) خدت حيّز كبير من أحلامي لمدة مش قصيرة، وكانت بتتطوّر مع الوقت لأحلام أغرب وأعقد، لدرجة إنها كانت بتسيطر على تفكيري، وبدأت أكتبها علشان أنساها. ابتدت بعد كده الأحلام تخرج من دايرة النمطية وتبقى غير تقليدية بالمرة، ولمّا كنت أحكيها للناس يتندّروا عليا. مثلا حلم القهوة واللؤلؤة، اللي فيه أنا ماشية في شوارع مدينة بادوّر على محل معين قالوا لي إنه بيبيع لولي. لما بلاقي المحل، صاحبه بيستقبلني بابتسامة، وبيسألني: "عاوزة إيه؟" "عاوزة لؤلؤة بيضا صافية، وقالوا لي انت الوحيد اللي تقدر تعملها لي." يرد صاحب المحل: "بس أنا معادش عندي لولي أبيض!" فأنا أتوتر، ومعرفش إيه اللي مفروض أعمله علشان أتحصّل على لؤلؤة بيضا، يقوم صاحب المحل يقول لي: "أنا أقدر أقول لك تعملي واحدة ازاي بنفسك. هادّيكي كنكة قهوة، ولما توصلي البيت، هاتعملي فنجان قهوة عادي جدا في الكنكة دي، وتفضلي تقلبي البن، ومع الوقت هتلاقي كورة بيضا بتتكوّن في الكنكة. دي هاتكون اللؤلؤة بتاعتك. بس انتبهي، لإنك لو رفعتي اللؤلؤة من كنكة القهوة قبل الأوان، اللؤلؤة هاتتفتّت لحبات سكر! وخللي بالك، إن كنكة القهوة دي مش بتعمل غير لولية واحدة..". أبصّ لصاحب الدكان شوية، ولكنكة القهوة، وآخدها وأنا مبسوطة، وأروح البيت علشان أتبع الوصفة. أفضل أقلب البن في الكنكة، وأشوف الكورة البيضا بتتكوّن جوّه فعلا، وانبسط، بس فجأة أسأل نفسي: "أنا معرفش إمتى الوقت المضبوط اللي أرفع فيه الكورة البيضا! ازاي نسيت أسال الراجل السؤال ده؟!" وتبدأ إيديّا تترعش وهي بتقلب، لكن أقول لنفسي في استسلام: "هاجرب حظي، إيه هايجرى يعني.."، وأسحبها بالمعلقة بالراحة. اللؤلؤة أهي، بتلمع في النور! ومش مهم إنها مش منتظمة الشكل، ومش مهم إنها تشبه السكر، وإن السكر برضه ممكن يبقى كورة، وبيلمع في النور. الحلم ده كان في 2009، وكانت كنكة القهوة دي بالنسبة لي زي مصباح علاء الدين. أنا باحب حدوتة مصباح علاء الدين جدا، وبقى عندي كده حدوتة الكنكة..

أما أغرب حلم حلمته فكان في 2011، وكان في طيارة، وكان على جزئين، حلمت بالجزء التاني الأول، وصحيت، ومعجبنيش إني مش عارفة الحلم ابتدا ازاي، قمت نمت تاني، وحلمت بالجزء الأول! الحلم بدأ في النص، بإني في طيارة فخمة، ومعايا زوجة سفير، وبندوّر على ناس، منهم جوزها وأبويا. فجأة بنلاقي جثة، وبيخطر في بالي إنها لواحد أعرفه في الحلم، إسمه إسلام، شعره أشقر وطويل وعلى شكل ديل حصان. أخاف، وأبقى عايزة أخرج من الطيارة، بعدين الست يبدأ يترسم على وشها خطوط سودا، زي ماتكون بتتلاشى. أبص من شباك الطيارة، وألاقي  كل الناس اللي واقفين بره زيها، بيتحولوا لبقايا. كل ده مش مهم بالنسبة لي، المهم إني ألاقي أبويا. باخرج من الطيارة، وألاقيه. بقايا. أصحى من الحلم مقبوضة ومتضايقة، وعايزة أفهم. لكن أرجع أنام تاني، يقوم يبدأ الحلم من أوله. أنا وأبويا والشاب اللي اسمه إسلام، اللي بشعر أشقر وديل حصان، واحنا ماشين في شارع. في اللحظة دي في الحلم أحس إنّ ورايا حاجات لازم تتعمل، بس قلقانة على والدي، أقوم أطلب من إسلام ده إنه ياخد باله منه ويتمشى معاه لحد ما أنا أخلص اللي ورايا. يوافق على مضض، وياخد أبويا من دراعه، وأشوفهم ماشيين قدامي. أخلص أنا الحاجات اللي كان لازم أعملها، وأرجع أدور عليهم، أقوم ألاقي أبويا قاعد لوحده على بنش، وإسلام ده بيلعب في مكان بعيد شوية. أزعق فيه، يرد عليّا إنه مش مهتم ياخد باله من راجل كبير في السن. أمسك دراع أبويا وأحاول أمشيه، بس مابيرضاش. عايز يفضل مكانه، قريب من الشاب. أقول لهم طيب أنا عندي طيارة، ملكي، تعالوا زوروني في الطيارة. بعدين بلاقي نفسي في الطيارة، وهم جايين فعلا يزوروني، وراكبين عربية علقانة في زحمة السير. شايفاهم من شباك الطيارة، وشايفة الناس اللي سايقة، كإنهم بيهربوا من حاجة. كلهم مزنوقين في الزحمة ومحدش عارف يهرب من "الحاجة" دي. شايفة أبويا فجأة بيبص على حارة على يمين الطريق مش زحمة، وبيقول لسواق العربية يمشي فيها علشان يوصل للطيارة. بيمشوا في الحارة دي لحد ما يوصلوا للطيارة، بس أنا مش شايفة غير أبويا، والشاب بيختفي. في ناس كتير ملمومين حوالين الطيارة، ووالدي بيحاول يندمج معاهم، وبيقف يتكلم مع سفير ومراته. أنا برضه باتكلم مع الناس، بس في حاجة لازم أعملها جوّه الطيارة. فجأة باشوف من الشباك مطر حمضي نازل على الناس، والناس بتتحرق وتتلاشى. معرفش ليه ده بيحصل، بس بارجع أشوف المشهد اللي بدأ بيه الحلم. الحلم ده الخطوط العريضة بتاعته بترجع تتكرر تاني في 2012، بس المرة دي أنا وأبويا ماشيين في الشارع بندوّر على "الحكمة"، وبنلاقي بدالها جزّار عارض "لحمة" فاسدة. بنجري برضه في عربية على طريق (بس أنا في العربية المرة دي مع والدي) وبنحاول نلحق معاد طيارة وراجل لازم نقابله في المطار. بنوصل، وأنا باتوه وبلاقي نفسي عند البوابة الغلط، والبوابة زحمة. فجأة البوابة بتفضى، وباشوف الراجل اللي كان مفروض نقابله عند البوابة اللي بعدها، وبنستنى علشان نركب الطيارة.

تبدأ الطيارة من وقتها تظهر في أحلام متفرقة، لحد ما تتجلّى امبارح، وأنا ماشية في الحلم مع ناس في الجامعة، وبنقف علشان الناس دول يكلموا ناس تانيين. أبص أنا في السما، ألاقيها بيضا، وألاقي الشمس متصدّراها، وَهَج أبيض، كورة مدورة، وكاملة، وفي وسطها بالضبط، ألاقي طيارة، دايرة الشمس محاوطاها، في لوحة جديرة بمشهد سينما. الناس تخلص الكلام، وأرجع أنا ملهوفة على أوضة مقيمة فيها في فندق ما جنب الجامعة علشان أكمل فرجة على المنظر ده. أجري على التّراس، ألاقي الشمس راحت، وبدل منها يظهر لي قمر، مكتمل، نوره سلاسل فضة منعكسة على كل حاجة حواليّا، وفيه حد عالباب؛ راجل واقف بيسأل سؤال. دايماً في الحلم فيه راجل، بيسأل، أو منتظر، أو عنده إجابة لسؤال محيّرني.


قهوة، ولؤلؤة. عربيّة، وسلالم، وطيّارة. شمس، وقمر، وعقود من النجوم. فضاء، وسفر.

زمان كانت العربية هي محور أحلامي، والعربية فسّروها إنها "الحياة"، والطريقة اللي بنتعامل بيها مع العربية هي الطريقة اللي بنتصرف بيها في حياتنا. بكده يبقى أنا كنت زمان مجبرة إني أعيش حياتي من غير ما أفهم ليه، وباتصرف تحت وطأة الضرورة، وبدون ماكون شايفة هدف مفروض إني أوصل له، و"خط النهاية" مش موجود. مابعرفش "أسوق"، لكن عندي فكرة عامة، والفكرة دي هي اللي بشكل ما بتمكّنني إني أمشي في الطريق اللي قدامي، رغم إني دايما باشكّك في مطابقة مفهوميتي دي للواقع العملي. المهم إني مفيش مرة حلمت فيها إني ماسقتش ووقفت مكاني واستنيت إيه الأسوء اللي ممكن يحصل. يعني متبرمجة على المعافرة حتى في نومي. هو الإنسان لو فكّر إنه يتحدى "برمجته" ويبطل "يسوق" ويقف يستنى اللي ممكن يحصل، إيه اللي ممكن فعلا يحصل؟ طيب لو كنت في مرة قررت أبطّل أطلع سلالم الحلم، ووقفت، أو نطّيت حتى في بير السلم، إيه اللي كان ممكن يحصل؟ طلوع السلالم في الحلم فسّروه بإنه الفهم والحكمة والتنوير، الخروج من العمق والتفاصيل للسطح والرؤية الكلية للأمور. أنا في الأول كنت باطلع السلّمة وأنا مش عارفة في سلمة بعدها أو لأ، زي ما كنت باسوق من غير ما أبقى متأكدة من خطوة السواقة الجايّة، ومن غير هدف في الآخر برضه. بعدين بدأت مرحلة إني أدور في سلالم لا منتهية، أطلع وأنزل، ومابقاش عارفة أنا هاوصل والا لأ. وزي ما الطلوع رمز للوصول لفهم أشمل، النزول برضه رمز لفهم أشمل، لكن للذّات، مش للموجودات. يمكن تركيز الأحلام على "الطلوع" ودمج "النزول" في دوامة من الحركة الدائرية بيعكس خوفي من مواجهة نفسي وتحليلها في البداية، واستعدادي المتردد إني أعمل ده في نهاية المطاف. نفسي بتكلّمني من خلال الأحلام، وبتقول لي: "في النهاية انتي لازم تسمعيني وتتفاهمي معايا، وتعالجي المشاكل اللي بيّا، وتتفقي معايا ازاي هانكمل مع بعض بشكل صحي وسليم، علشان مش كل شوية هاطلع لك في الحلم وألفّفك حواليا." 

بدأ يبقى فيه "خط نهاية" في المرحلة دي من الأحلام؛ أنا بشكل ما باوصل لـ"مكان" أنا مستهدفاه. الموضوع بالنسبة لي أصبح منطقي. طول ما مفيش هدف، مفيش شكل للمسار اللي مفروض أمشي فيه، في بس إحساس بإني أعيش "اللحظة" - عتبة سِّلِّمة، أو دوسة بنزين - وماقلقش على اللي ممكن يجي بعدها. يمكن لما بدأت أكبر وأشوف الحياة من منظور أوسع شوية، وأفكر في المستقبل ككتلة واحدة مش كأيام منفصلة، يمكن ده الوقت اللي بدأت فيه الأحلام تاخد شكل فنتازي ومُجمل؛ السلالم تبقى مكتملة، ومكان النهاية يبقى فيه شيء من الوضوح والتحديد، ولمّا أحلم بجزء أقوم مايعجبنيش وأرجع أكمل الحدوتة علشان الصورة تبقى كاملة وواضحة في ذهني، والمواجهة مع النفس تبقى حتمية. وقتها بدأت الطيارات تظهر، والطيارة تفسيرها الارتقاء، والمنظور العلوي، والحرية، وإدراك أقوى للنفس. فاضل بس إني أحلم إني باسوق الطيارة، علشان أعرف ساعتها إن رحلة الوعي والتنوير اكتملت، وإني متحكمة أخيرا في مصيري، وعارفة أنا عايزة إيه وواثقة من قراراتي اللي هاخدها علشان أعمل اللي أنا عايزاه. هكذا تقول التفاسير.

الرمزية اللي في أحلامي بطّلت تقلقني؛ بطّلت أحاول أفهم ليه المطر حمضي، وليه أبويا بيظهر كتير، وليه فيه لولي ممكن يطلع لي من كنك القهوة، وليه فيه شمس وقمر ونجوم. المهم إن كان فيه عربيّة، وبعدين بقى فيه سلالم، وبعدين الحكاية دخلت في طيارات؛ كنت بامشي على طريق، في مسار أفقي، وبعدين بدأت أطلع لفوق، في مسار شبه عمودي، ودلوقت أنا عايزة أفضل فوق، وأكمل مسار أفقي، في عنان السما، وفي اتجاه الشمس.

 
 
 *Escher Stairway, or Penrose Stairs.

Wednesday, May 7, 2014

حكاياتك يا اسكندرية

مش عارفة ليه حسيت إن الإجابة هاتكون في اسكندرية.

أنا السؤال والجواب؛
أنا مفتاح السر، وحل اللغز.

هل كان أسامة أنور عكاشة بيجاوب في زيزينيا على السؤال اللي حيره في أرابيسك؟ اسكندرية. الميتروپوليس. المدينة اللي عاشت قرون وعصور تتشيك وتتنسي، وتتهدّ وتتبني. اسكندرية طبقات؛ طبقات من الناس، والمعمار، والثقافة، والتاريخ، والجغرافيا. طبقات من الوعي. مصر صغيرة، بس فيها مسحة سحر مش موجودة في باقي مصر. اسكندرية مش فرعونية الهوى، ولا إسلامية الهوى؛ "اسكندرية فلسفيّة". والاسكندرانية فلاسفة؛ سَمْتُهم هادي وراسي، حتى البيّاعين، اللي شغلتهم محمومة بطبعها، حاسّين بذاتهم الفلسفيّة. الناس قاعدين في الدكاكين في صمت، بينبسطوا في صمت، مزنوقين في المواصلات في صمت. صمت وهدوء وتأمل. "اسكندرية مفكّرة". ممكن يكون البحر هو اللي ادّى أهلها مساحة التأمل دي. مش باشوف المساحة دي في القاهرة؛ القاهرة اللي باحبّها جدّاً كلّها دوشة وصوت عالي وإيقاع محموم وخناق على السلّم الاجتماعي. يمكن الاسكندرانية حاسين إنهم بالفعل على قمّة السلم ده، فكرياً وثقافياً إن لم يكن بالضرورة مادياً. اسكندرية مفيهاش "business district" بالمعنى المعروف، ولا أنا حسّيت إن النشاط التجاري فيها بيجري علشان يلحق الدنيا من حواليها. الناس بتقدّر أجازة يوم الأحد وشم النسيم، وسايبين الدنيا رايقة وقافلين محلاتهم وبيتفسحوا عالبحر. في كل مكان تاني الناس بطّلت حتى تاخد أجازة الأعياد وتسيب ساحة المعركة الاقتصادية وترتاح شوية. يمكن قدريّة الصيد واعتماده على عوامل مش بإيد الصيّاد صبغت المدينة كلها بطابع التسليم ده، اللي بيقلّ كل ما بتبعد عن البحر. واسكندرية عاصمة علم وفلسفة، مش عاصمة حرب وتمترس وسلطة. قلعتها صغيرة وهادية ومفيهاش ملامح العظمة الكلاسيكية بالمقارنة مع القلاع الحصينة التانية. قلعتها قصاد جامعتها، والاتنين على طرفي كورنيش عامل نص دايرة عبقري. ماشفتش حتّى ظواهر دروشة وانذهال عند المرسي أبو العباس، ولا ضجّة وصخب عند المراجيح اللي اتنصبت جنبه وكانت الأطفال بتلعب فيها بمناسبة شم النسيم، ولا خناق وزعيق في الشوارع. احتمال يكون توقيت الزيارة فرض الصورة الذهنية دي عندي، لكن إحساسي كان إن اسكندرية مدينة التوازنات المذهلة. مفيش اكتساح أو نصر متحقق لفكرة، ولا عرق، ولا دين، ولا أسلوب حياة، ومفيش انعزال بين كل دول وبعض.

البحر هو الإجابة؟ البحر اللي كان حلقة الوصل باليونان - مهد الحضارة ودرّة الفلسفة. اليونانيين مَعْلَم "أصيل" حاضر في كل حاجة في اسكندرية - أسماء الشوارع والأحياء، شكل المباني، أعرق المحلات والقهاوي والأوتيلات، الراجل اللي قعد على الطرابيزة جنبي يوم ما كنت راجعة وكان بيتكلّم في الموبايل باليوناني وبعدين يطلب الشاي بالمصري. القاهرة معالمها التاريخية في المعظم إسلامية، والجيزة - بوابة الصعيد - بتبدأ فيها معالم اليدّ التقيلة للحضارة الفرعونية، لكن مش اسكندرية. ممكن يكون في حاجة اسمها الحضارة السكندرية؟ المهم إن البحر حاضر. البحر حاضر حتى بين المباني، كنت أحس إن الناس وهي بتمشي أو راكبة المترو بتتلفت دايماً في اتجاه البحر علشان تتأكد إنه موجود لسه بين المباني ومفيش حد هايسرقه أو هايخبيه منهم. والبحر حاضر على واجهات المباني، حتى اللي البحر بياكله من المباني بيخليها جميلة، بصمة بيتباهى بيها المبنى ويقول "أنا هنا قدّام البحر، شاهد عالبحر، وقيمتي من البحر".


والفلسفة حاضرة، في الناس، وحتى في المباني وديكورات المحلات. كل مبنى شخصيّة مستقلة، لكن في نسق عام مريح وباعث على السكينة. حتى المهجور منها له سحر؛ نداهة بتهمس وتقول لك "تعالى، أنا جوايا حكايات وكنوز وحواديت.. بس اسمع.. تعالى وانا هاونسك، ومش هاسيبك تخاف ..". طول عمري لما بازور مدينة جديدة بانبهر بمبانيها القديمة وآثارها قبل طبيعتها وحداثتها. الحيطان بتبقى شاهد على الحوارات والحكاوي القديمة، وممكن تكون بتتكلّم وترَدِّد اللي اتقال من قديم الزمان، بس محدّش بيقف جنبها ويونِّسها ويسمع لها. الزخارف والطَيّ شواهد على أيادي الصنايعية اللي نحتت بفن ودقّة وسيميتريّة حكاوي ورموز وشخصيات الصنايعي قبل المُلَّاك. البلكونات بتحكي عن مين من اللي سكنوا بيوتها كانوا محافظين ومش عايزين رجليهم تنكشف على الشارع ومين كانوا مُتَبَسِّطين ومش خايفين من المشاركة، مين كانوا أرستقراطيين ومتحفظين وتقليديين ومين كانوا ولاد بلد كل حاجة عندهم واضحة ومش مستاهلة مداراة وتزمُّت. أنا عندي نظرية لطيفة هي إن البني آدم يقدر يعرف شخصيّته من بلكونته، أو من الطريقة اللي بيتفاعل بيها مع بلكونته؛ اللي بيتفرّج عالناس، اللي قاعد على كرسي البامبو بيشرب سيجارة وكوبّاية شاي، اللي عامل جنينة وقفص عصافير، اللي بيقف في الركن خايف من العلو لو البلكونة مكشوفة، اللي بيعمل بلكونة واسعة ومقفلة، واللي بيعمل بلكونة ضيقة ومقفلة، واللي بيعمل بلكونة حديد ضيقة، واللي بيقفِّل بلكونته بستاير.


المباني في اسكندرية بتحكي، مين كان صعب عليهم يسيبوا المكان تكتسحه المدنية والعمران الجديد، ومين الظروف كانت أقوى منهم وزقتهم بره المكان، وفضل المكان أطلال خربة متهدّمة، لا هو مسكون ومجبور خاطره ومجبورة جدرانه، ولا هو ممسوخ بشخصية الطوب الأحمر القميئة اللي مفيهاش أي مَعْلم ذوق أو تفكير أو تعب. طيب مش يمكن وقت ما كانت المباني الساحرة دي لسه برونقها وزهوتها الأولى اتقال عليها من معاصريها زي ما أنا باقول دلوقت على الطوب الأحمر؟ يمكن كمان 100 سنة يبقى الطوب الأحمر ده "فن" و"شاهد" على زخم التاريخ والمرحلة وحكايات الناس. حتى أطراف المدينة اللي شوهها الطوب الأحمر كان فيها مباني بتحاول تستنسخ الشخصية المعمارية السكندرية القديمة، لكن الدهان جديد، والناس غير الناس، والهواء غير الهواء، والبحر مش طايل يرسم عالمعمار الجديد خطوطه السريالية ويبصم عليها بالختم السكندري. المباني حلوة وفيها فن، بس هي في عينيّا زيّ كعك العيد الآلي؛ شكله جميل ومنتظم وطعمه لطيف بس لا يمكن يكون زي كعك البيت بتاع زمان اللي كانت تيتا بتعمله. في وسط البلد العتيق، كل عمارة فيها روح، فيه صور قديمة مرسومة في خيالي لحكايات سرّية اتحكت في كل بلكونة وشبّاك ومدخل سِلِّم. كل قهوة فيها شواهد على خناقة ولعبة، وعلى طرابيزاتها وشيشاتها وعِدِّتْها بواقي لتاريخ اتخلق واتناقش وبقى له حيثية، وعلى كراسيها خيالات سراب لِنَاس ركنت للمرة الأخيرة قبل السفر، وناس ركنت للمرة الأخيرة بعد السفر.

لما زرت اسكندرية من أسبوعين، كان الوقت شم نسيم وعيد. حرّ وشمس مش مستخبية ورا أي حاجة. بعد ما رجعت بيومين، حلمت إني في اسكندرية تاني، اسكندرية تانية. اسكندرية زي ما الاسكندرانية بيحبوها؛ مغيمة، الشمس مستورة ورا السحب، والمَطَرة بترخّ على خفيف، البحر رمادي في أبيض، مش فرحان لكنه مش غضبان، وأنا بامشي عالكورنيش، في عكس الاتجاه اللي مشيت فيه لما زرتها. لما زرت اسكندرية من أسبوعين، مشيت ناحية الغرب، ناحية المرسي أبو العباس والجمرك والقلعة، لكن في الحلم، كنت بادية من هناك، وماشية ناحية الشرق والمكتبة والكافيهات. الرمزيّة اللي في التناقض ده كانت متجليّة في الحلم: الشرق مفروض كان هو مصدر الغزو لمصر، والغرب كان مصدر التحضّر والعلم، تقوم المكتبة تبقى في اتجاه الشرق، والقلعة تبقى في اتجاه الغرب. المناطق الراقية تبقى في اتجاه الشرق، والمناطق الشعبية تبقى في اتجاه الغرب. لوهلة وانا باكتب الكلام ده دلوقت اختلط عليا الحلم بالحقيقة، ومابقيتش عارفة أنا فعلا زُرْت اسكندرية من أسبوعين وباحلم دلوقت، والا كنت باحلم من أسبوعين والحلم هو الزيارة الحقيقية. المشهد في الحلم كان يشبه بالضبط أول مرة تطأ فيها رجلي أرض اسكندرية، يوم ما وصلنا مصر بعد رحلة برّية طويلة ومُضنية قضينا فيها تلات أيام بلياليهم في السوپرچيت اللي رجّعنا عودة نهائية من ليبيا علشان نستقرّ في أرض الوطن. السوپرچيت كانت محطته الأخيرة "محطة الرمل". لما زرت اسكندرية من أسبوعين لفّيت في المحطة شوية على أمل إني ألاقي المكان اللي السوپرچيت نَزِّلْنا فيه، ولمّا غلُبت، سألت راجل وقور على مدخل عمارة في الرمل: "كان فيه هنا مكان السوپرچيت اللي جاي من ليبيا كان بيقف فيه، فاكره؟" قال لي إن الأتوبيسات كلها بتقف في سموحة دلوقت. قلت له: "فاهمة، أنا باتكلم عن عشرين سنة فاتوا." تأمل في وِشِّي كده شوية علشان يتأكد إني مش عبيطة، وبعدين قال لي: "آه، تقصدي المقرّ القديم بتاعهم، هو هناك، ورا الغرفة التجارية." رحت "هناك" دي وأنا خايفة يكون فيه بوّابة زمن مستنياني تاخدني لعشرين سنة ورا ومارجعش تاني .. أنا مش عايزة أرجع لِوَرا، مش عايزة أرجع للماضي؛ أنا عايزة بس أتفرج عليه. أنا كنت دايماً عايزة آلة زمن، مش علشان ترجّعني أعيش التاريخ من أَوِّلُه، لأ علشان بس أتفرج على التاريخ والحوادث واكشف الأسرار وأعرف الحواديت. كنت عايزة أرجع أشوف المكان اللي كان شاهد عليّا في أكتر فترة كنت فيها هشّة ومتلخبطة ومش فاهمة حاجة. مشيت شوية، وبعدين شفت بقى "الخطوط الليبية". المكان كان هناك.. احنا كنّا هناك من عشرين سنة، رجلينا سلّمت على تراب البلد هناك لأول مرة وهي عارفة إنها مش مِفارقة تاني. يوم ما وصلنا، كان الوقت فجر، ومكانش فيه أماكن كتيرة مفتوحة تخدم الزباين. يومها اترصّصنا على كام كرسي وطرابيزة جنب بيبان قهوة البورصة (أو التجارية مش هاقدر أفتكر بالضبط). لسه فاكرة مشمّع الطرابيزات. لسه فيه قهاوي هناك بتستخدم المشمع القديم التقيل ده، اللي كله نقوش وألوان، وطَفْيِ سجاير.



فاكرة منظر والدي وهو بيشرب السيجارة وساند بظهره على باب القهوة القديم. فاكرة إن جو الفجر الرمادي ده خَلَّى المدينة كلها تبان مسحورة وأثيريّة في عينيّا. كنت شامّة ريحة الرطوبة التقيلة - احنا كنا وصلنا في أكتوبر. نفس الريحة دي دوّرْت عليها يوم شم النسيم في اسكندرية مالقيتهاش. يومها كان الشارع حوالين البورصة والتجارية والخطوط الليبية غرقان في الشمس، شمس صريحة وقحة، الشمس اللي باكرهها. اسكندرية مش مفروض تكون غرقانة في النور الوقح ده كده! "اسكندرية فلسفيّة"، والفلسفة بطبيعتها سرّ الوجود، وبتتكشّف للعارفين والمريدين بالتدريج وبالتعب، مش بتحرقهم بوهج النور. اسكندرية في نور الشمس غريبة على عيني. الشمس حقيقة بتبدّد أي وهم، وتشقّ أي ظلمة، بتبخّر أي رطوبة وخيالات. اسكندرية مش كده. يمكن ده سبب إن أهلها مش بيحبوها قوي في الصيف. يمكن اسكندرية علشان كده هي السؤال والجواب؟ بتحيّرك وترسّيك؟ بتلخبطك وترجع تطمّنك؟ أوروپية بس مصرية، بس ولا هي صميمة المصرية زي القاهرة والجيزة ولا هي صميمة الفَرْنَجة زي شرم الشيخ والغردقة؟ يمكن علشان كده لا القلعة كسبانة ولا المكتبة كسبانة في أفق دايرة الشط السحرية اللي في وسط البلد، والكسبان هو اللي يقف في النص؟

ليه رحت أدور على مكان اللقاء الأول؟ أنا عمري ما اتمنيت من نهاريها إني أرجع اسكندرية تاني، وحتى لما أختي دخلت كلية الفنون الجميلة في اسكندرية عمري ما اتلهفت على الزيارة ولا افتكرت لحظة اللقاء الأول وحبيت أسترجعها. كان هوايا دايماً من يوم مارجعت مصر هو القاهرة، وقلبي كان دايما متعلق بيها وبتاريخها. ليه بعد السنين دي بدأت اسكندرية تراودني عن نفسي وتقول لي "تعالي، الحل عندي، المتعة عندي، الصفا عندي"؟ في آخر اليوم اللي زرت فيه مكان ما رسينا في مصر لآخر مرة، رحت في اتجاه مكتبة اسكندرية، وفي اللحظة اللي خرجت فيها من مكتبة ديوان ورحت أرتاح شوية في سيلانترو، ولقيت لحسن حظي طرابيزة شيك على التراس في مواجهة البحر، وطلبت قهوتي، وصوّرت الغروب، قلت "كفاية. افصلي، حطّي الموبايل جنبك، وبصّي مرة واحدة على الغروب لنفسك من غير ما تبقي ملهوفة إن حد يشاركك فيه." استرخيت، وسندت رجلي اللي كلّت من اللفّ على السور الحديد، وبصّيت للشمس وهي بتاخد الغُطس الأخير، ورجعت لورا بظهري للكرسي وأنا باطلّع نَفَس عميق متأني كان محبوس من زمان، وعبّيت من الهواء الرطب، وتأمّلت في خيالات المحبين السوداء قصاد بواقي النور، و"احتسيت" القهوة. لحظتها - واللحظة دي استمرت ساعات ليلتها - لحظتها حسيت بدفق جارف من السلام والطمأنينة والانبساط والبهجة. كانت لحظة الفهم والتسليم. كانت كل حاجة مكتملة في اللحظة الطويلة دي، حتى مقدار التعب كان لذيذ؛ لا هو مرهق ولا هو راحة سخيفة تخلي الواحد يتقلقل مكانه. تعب وخدر يجبر العقل إنه يستكين. اللحظة دي كانت ملكي لوحدي، أنا اللي هيأت ظروفها، ومحدش كان معايا فيها، لا جنبي ولا في أفكاري. كانت لحظة منعشة. البني آدمين لازم يعيشوا اللحظات اللي زيّ دي كتير.

عمر الإحساس ده ما جاني في القاهرة. القاهرة مدينة مُدَّعِية، كل اللي يعيش فيها لازم يتطلع، ويتظاهر، ويمثل، ويجري، وعنقه يشرئب للملذات المادية والمظاهر الاجتماعية. طبقات مش حابة بعض لكن مالهاش غنى عن بعض. طبقات كلها ردود فعل لبعض، لكن بتتعامل مع بعض، وبتحاول تنصهر في بعض، ثم تتباعد، ثم تنصهر، ثم تتباعد .. موجات انصهار وتباعد مستمرة مش بتقف. ماحسيتش إن اسكندرية كده. يمكن ناسها بتتخنق في الصيف من الزحمة وهجرة المصايف، لكن اللي شفته على طول الكورنيش انصهار من نوع تاني؛ ناس بسيطة بتاكل عالبحر، وناس شكلها من الطبقة المتوسطة قاعدين على كراسي وشمسية أو بيتمشوا وهما بيصوروا بعض، وشباب شيك نازلين من عربياتهم الفخمة علشان يصوروا مراكب قديمة، ويصوروا بعض ووراهم الناس اللي قاعدين بياكلوا أو بيتسامروا، وبعد ما يخلصوا تصوير المراكب هايطلعوا عالنادي اليوناني يتغدوا هناك، وواحدة زيي، غريبة عن البلد، بتشوف كل ده في لوحة مرسومة، مركبة وبسيطة، متلونة وقديمة، متهالكة وجميلة. 


لحظة الغروب المكتملة اللي عشتها خلتني حابة آخد اسكندرية في حضني، زي ما الأوتيل اللي اخترته - بناء على نصيحة غير مباشرة من صديقي وزميلي العزيز محمد صيام - واقف في ميدان سعد زغلول، في نص الدايرة السحرية لكورنيش وسط البلد، وواخد اسكندرية في حضنه. وكإن سعد زغلول لسان حاله وهو مواجه البحر في النقطة دي بيقول: "مفيش فايدة، لازم أحبك يا اسكندرية."

وعمار يا اسكندرية .. يا جميلة يا ماريا .. 
وعد ومكتوب عليا .. ومسطر ع الجبين ..
لاشرب م الحب حبه .. وانزل بحر المحبة ..
واسكن حضن الاحبه .. و الناس الطيبين ..



Sunday, January 19, 2014

دبي: زيارة وتأمل

[بعض الصور في هذه التدوينة ليست من تصويري. روابط الصور التي ليست خاصتي تشير لموقعها الأصلي.]

هذه التدوينة تتأخر جدا في نقل انطباعاتي عن العشر أيام التي قضيتها في دبي أواخر الصيف الماضي. ولكن ما أريد رصده هنا - بالإضافة لاستعراض ما صادفته في الزيارة - ليس مرتبطا بالوقت أو المكان، وإنما هو تفكرات تقارن بين معطيات ونتائج مصرية وإماراتية لمعادلة "كيف تنجح في بناء أسطورة".

بداية، لقد كان اختياري لتوقيت الزيارة خاطئا تماماً، فدبي مستحيلة في الصيف. إن الأمر يتعدى درجات الحرارة المرتفعة. إن الجو يسرق قدرتك على التنفس خارج الأماكن المغلقة، ولا يعود لمصطلح "الهواء الطلق" أي معنى. الحقيقة هي أن جو مصر معتدل بالفعل، خلافاً لكل النكات والقفشات على ارتفاع معدلات الحرارة والبرودة في مصر في السنوات الأخيرة. أنت في مصر يمكنك أن تتنفس، وإن كان الصيف حارا نهارا فهو مقبول ليلا، ويمكن للجميع أغنياء وفقراء أن يخرجوا للشوارع ويستمتعوا بال"فسحة" في الهواء الطلق - ودعنا نغض الطرف هنا مؤقتا عن كون الشوارع المصرية في معظمها أماكن تهان فيها الكرامة. إن كنت ممن يحبون المشي والتسلق والتجوال المسترخي في المدينة فدبي ليست وجهتك في الصيف - ربما هي أفضل في الشتاء، ولكن لمعرفة ذلك لابد من زيارة أخرى. ماذا وجدت إذا في دبي الصيفية لأرفه عن نفسي في العشرة أيام تلك؟ لا شيء إلا مراكز التسوق الكبرى. قضيت جزءا كبيرا من إجازتي تلك في أكبر مراكز التسوق بدبي: دبي مول (وسوق البحار الملحق به)، أب تاون مردف، مول الإمارات، مول ابن بطوطة، فيستيفال سيتي، مركز الوافي، وفندق أتلانتيس في بالم جميرة، والذي ليس مركزا تجاريا بالطبع ولكنه معلم يستحق الزيارة. لم يتسن لي الوقت لزيارة باقي المراكز التجارية في دبي، وإن كنت أستغرب جدا كيف لكل هذه المراكز التجارية الضخمة أن تتواجد معا في مدينة واحدة يزيد تعداد سكانها قليلا عن 2 مليون، وفي اعتقادي وبناء على نظرة سريعة للتوزيع الديموجرافي لقاطني المدينة، لا تزيد نسبة القوة الشرائية المترفة عن 25% من السكان. إن تخميني هو أن هذه المراكز التجارية الفخمة هي المنفذ الوحيد للترفيه في الموسم الصيفي بدبي. لقد أُصبت بالملل في نهاية الرحلة جراء انحصار نشاطي كله في التجوال في المولات، على تعددها، ولذا أستطيع أن أتخيل أنني كنت لأصاب بالجنون لو أنني اضررت للذهاب إلى دبي مول مثلا كل يوم من الأيام العشرة - ناهيك عن شهور وسنوات طويلة للمقيمين هناك - وبخاصة إن لم أكن سأمتلك المال اللازم للشراء ثم الشراء ثم الشراء، إذ من غير العدل أن تجبر امرأة على الذهاب لمركز تسوق يوميا دون أن تمتلك المال لتنفقه. إن الرجال الذين تعتاد زوجاتهم على الذهاب إلى مراكز التسوق يوميا مساكين حقا.

And Access For All .. 

 


كان أول ما خطر ببالي كمعيار للمقارنة بين مراكز التسوق في دبي هو مقدار دعمها للاتصال بالإنترنت. يرى الكثيرون هذا السعي المجنون للبقاء متصلا بالإنترنت علامة على البؤس الاجتماعي وفقدان القدرة على الاستمتاع بالحياة خارج نطاق الفضاء الافتراضي، ولكني أحب شبكتي الاجتماعية الافتراضية وأحب أن أعرف أنه بإمكاني دوما إذا أردت الوصول إلى معلومة أن أصل إليها وبسرعة. إن أول مركز تسوق زرته بمفردي - دبي مول - يبلغ من الضخامة حدا لا تستطيع معه أن تزور طابقا واحدا بالكامل في يوم واحد، ولذا عليك أن تعرف بالضبط ما هي المحلات التي تريد زيارتها، ثم تذهب لأقرب نقطة معلومات "kiosk" - وهي رحلة في حد ذاتها - للاستعلام عن كيفية الوصول إلى المحل المبتغى. لقد كان من حسن طالعي أن كانت صديقتي العزيزة سميرة في زيارة لدبي وقتها، وقد استغرق وصولي لها في المكان الذي كانت تجلس فيه في دبي مول قرابة نصف ساعة، كنت تائهة فيها لا أعرف في أي طابق أنا وما هي طريقة تكويد الطوابق وأين مقدمة المول من خلفيته. توجب عليّ أن أزور دبي مول مرة ثانية لأفك شفرة كيفية التجول فيه. وكان من المصادفة أن جاءت هذه الزيارة لدبي بعد اقتراحي على مجموعة من الطلاب في كليتي التي أعمل بها أن نعمل على تطبيق تفاعلي للهواتف الذكية يمكن زائري المراكز التجارية الكبرى (والأبنية الضخمة عموماً) من الاستعلام الفوري عن أماكن معينة برغبون في الوصول إليها داخل تلك المراكز والأبنية ثم توفير تعليمات للتوجه إلى تلك الأماكن خطوة بخطوة، فوفرت لي الزيارة معاينة ميدانية وتقييما للتفاوت في الإمكانيات بين المراكز التجارية المختلفة في دبي وما هو الحد الأدنى من الخدمات المشتركة التي يتوجب أن تتوفر في المراكز التجارية لتحقق للزائرين أفضل تجربة مستخدم (quality of experience). بعد تحقق سريع، وجدت خدمات مشابهة لما تخيلته في تطبيق يتيحه دبي مول، ولكنه يتيحه فقط لأجهزة الآيفون، ولذا لم أتمكن من اختباره وتقييم جودة وشمولية خدماته. توجد أيضا تطبيقات مشابهة لمول الإمارات ومردف والوافي وفندق أتلانتس، ولكني أعتقد أنها تطبيقات مستجدة، إذ لم يكن ليفوتني أن أجربها أثناء زيارتي. يظل دبي مول أفضل حالا من المراكز الأخرى التي زرتها في دبي، إذ يوفر نقاط معلومات تفاعلية منتشرة في عدة أماكن بالمول يمكن للزائر من خلالها تحديد المكان الذي يرغب في الذهاب إليه وعرض خط سير لكيفية الوصول إليه (مع الأخذ في الاعتبار أنه على الزائر أن يتذكر خط السير هذا). لا توفر المراكز التجارية الأخرى التي زرتها في دبي نفس الخدمة، وإنما تكتفي بخريطة طوابق ثابتة (floorplan) كما في مول الإمارات، وأحيانا قد لا توجد حتى هذه الخريطة إلا في مدخل المول، كما رأيت في مركز الوافي وابن بطوطة. أضف إلى ذلك أنه بالرغم من أن المواقع الإلكترونية لمعظم هذه المراكز التجارية تحتوي على محدد لمواقع المحلات (store locator)، إلا أن عددا من المراكز التجارية (ابن بطوطة على سبيل المثال) لا توفر اتصالا بالإنترنت عن طريق شبكات الواي فاي اللاسلكية، وعليك كزئر إذا ما أردت استخدام الإنترنت أن تعتمد على خدمة الواي فاي التي توفرها بعض المحلات والمقاهي، أو على خدمة الجيل الثالث. إن غياب المعلومات المكانية وعدم التمكن من استخدام الانترنت لمعرفة موقع محلات بعينها كان السبب في أنني وأخي في زيارتين لمركز الوافي ظللنا نبحث عن المطعم العربي بسوق مرجان لأكثر من ربع ساعة.

أكثر ما استمتعت به

رغم ما قد يبدو من انطباع سلبي يعكسه حديثي، إلا أنني استمتعت في زيارتي بالعديد من الأماكن، أدرجها فيما يلي بدون ترتيب زماني، وإنما بحسب قوة الانطباع الذي تركته.

مول ابن بطوطة: رغم كونه مركزا تجاريا هادئا ولا يعج بالحركة كدبي مول، إلا أن مول ابن بطوطة يعد بالنسبة لي أفضل المراكز التجارية في دبي من الناحية الفنية واللوجستية. يقوم المول كله على دور واحد طويل للغاية ثيمته الأساسية هي رحلة ابن بطوطة من الأندلس إلى الصين. بمجرد أن تدخل، تجد نفسك وكأنك أمام بانوراما للعالم القديم. تبدأ الرحلة بساحة الأندلس، التي لم تستوقفني كثيرا، ثم تمشي حتى تصل إلى ساحة تونس التي تأخذ الأنفاس ببساطة مبانيها ذات اللونين الأزرق والأبيض وسقفها الذي يحاكي السماء التونسية. تصل بعد ذلك إلى ساحة مصر، والتي تتنوع ديكوراتها بين القاهرة الفرعونية والإسلامية، ثم تعبر منها إلى ساحة فارس، والتي قضيت فيها وقت استرخائي جالسة في مقهى أتأمل التحفة الفنية الجدارية ذات الألوان البراقة. إذا تجاوزت ساحة فارس ومشيت قليلا فستصل إلى ساحة الهند، والتي تحوي فيلا عظيما متحركا، ثم منها إلى ساحة الصين، والتي تغرقك في اللون الأحمر وتحوي سفينة ضخمة تحتل منتصف القاعة. إن المول هنا لا يركز على تعظيم الحركة الشرائية، فهي تقبع في الخلفية تاركة الصدارة لجمال الديكورات وتنوع النكهات التاريخية بين أقصى الشرق وأقصى الغرب (القديم) كي يقوم بمهمة جذب الزائرين والترفيه عنهم. أنت تذهب إلى مول ابن بطوطة ك "مزار" سياحي وليس فقط للشراء، ولكن حتى إن كان هدفك الشراء، فأنت لن تجد نفسك تدور كثيرا؛ هي ممرات مستقيمة في طابق واحد، تسير عبرها لتجد المحال على الجانبين وفي بهو كل ساحة. لن تجد دليلا للمحلات، ولن تتضايق كثيرا، لأنك لن تشعر بالملل أثناء بحثك عما تريده، وقد تنسى ما كنت تبحث عنه تماما.

ساحة فارس

ساحة فارس

ساحة الهند

ساعة الجزري بساحة فارس

ساحة مصر

ساحة الصين


ساحة مصر

ساحة تونس

نافورة برج خليفة: ولا تستطيع أن تمر بدبي دون أن تشاهد عروض نافورة برج خليفة التي تتكرر كل ليلة على أنغام الموسيقى. فلأترك النافورة تتحدث عن نفسها في هذا الفيديو الذي صورته بنفسي من أعلى نقطة في دبي مول - الشرفة الخارجية لمطعم فرايديز، والتي تعد أفضل نقطة يمكن مشاهدة عروض النافورة منها. احجز مكانك مقدما - حتى في الصيف - فالزوار على استعاد لتحمل الحر القائظ في سبيل الحصول على مقعد أمامي لهذه العروض. ولا يفوتني هنا أن أسجل انطباعي عن برج خليفة، والذي لم يعجبني ولم أجده ملهما بالمرة، بعكس برج العرب على شاطيء الجميرة، والذي بهرني منذ اللحظة التي وقعت عيناي عليه يلوح في الأفق قبل الغروب، مثيرا رهبة ظلت تزداد كلما اقتربنا منه بالسيارة، حتى رأيته عن قرب بكامل بهائه. هذا بناء يتحدث عن الإمارات وعن دبي، وكيف مزجت تقاليد الصيد العريقة مع أعلى مستويات الترف والحداثة، وكيف انتصر الترف في النهاية.



محل "المجموعة الأرستقراطية" في دبي مول: من المحلات التي استمتعت بزيارتها في دبي مول محل المجموعة الأرستقراطية "The Noble Collection"، والذي يحوي مجموعة رفيعة من الأنتيكات لأفلام كلاسيكية عدة، كملك الخواتم "Lord of The Rings" وهاري بوتر وأفاتار وال "Hobbits" ولعبة العروش "Game of Thrones" والأبطال الخارقين مثل باتمان وسوبرمان. استغرقني العثور على المحل نصف الساعة تقريبا، كونه يقع في الرابع وفي ممر متفرع من أحد الممرات الرئيسية، ولكن الأمر استحق كل دقيقة، فبالرغم من كون المحل لا يحتوي على كل التشكيلة الموجودة على الموقع الإلكتروني، إلا أن رؤية التحف الموجودة بالفعل كان متعة خالصة، نقلتني في بعض اللحظات إلى العالم الذي تحاكيه. لمحبي الهدايا الثمينة وغير التقليدية، ولمحبي مجموعات الأفلام الأسطورية تلك، أنصحهم ألا يفوتوا هذا المحل في زيارتهم التالية لدبي.

http://www.noblecollection.com/index.cfm?fa=products.product&id=NN2990&catid=17


http://www.noblecollection.com/index.cfm?fa=products.product&id=NN0071&catid=93


مركز الوافي و سوق مرجان: مركز الوافي باختصار "معمول بمزاج"، حيث يسيطر الهوس بكل ما هو فرعوني على تصاميمه، بدءا من تصميم المبنى نفسه على شكل هرم، ومرورا بالواجهات ذات التماثيل والنقوش الفرعونية، وحتى الأعمدة الداخلية الممتلئة أيضا بالنقوش الفرعونية. الهوس الفرعوني تنتقل عدواه من لاس فيجاس إلى دبي.

http://www.babylovestotravel.com/wp-content/uploads/2012/03/WAFI-Mall-Dubai.jpg

http://www.sophiesworld.net/wp-content/uploads/2010/04/IMG_5985-300x225.jpg

http://mithunonthe.net/wp-content/uploads/2010/06/wafi-mall-ceiling-egyptian-art.jpg

ولعل أفضل ما في مركز الوافي بعد ديكوراته هو سوق خان مرجان، والذي - بالمخالفة لباقي المركز - يزخر بالقاعات العربية ذات الديكورات الشرقية وسقوف الزجاج المعشق الملون. أحزنني أثناء التجوال بالسوق أنه لا يعج بالزائرين - كحال مركز الوافي عموما - رغم المنتجات العربية التي تمتليء بها أروقته، من عطور ودخون شرقية وحرائر وملابس تقليدية. هو مكان هاديء جدا، بعكس خان الخليلي في مصر مثلا، والذي يعج دوما بالحركة والصخب.




لا بد من مطعم: أما أكثر الأماكن ازدحاما في سوق خان مرجان فهو بلا جدال المطعم العربي، والذي يعد الوجهة الأساسية لمعظم العرب هناك. يمكنك هناك أن تأكل الكسكسي المغربي، أو الأطعمة المصرية والخليجية والشامية، ثم "تحبس" بعدها بالشاي المغربي الرائع والشيشة. 


أما إن كنت تبحث عن نكهة شرقية مختلفة، فهناك المطعم الصيني في مردف "Panda Chinese Restaurant"، وهو أول مكان أخذني إليه أخي بعد استقبالي في المطار لأتناول وجبتي الأولى في دبي. رشح لي أخي بشكل خاص صنف مقبلات من الجمبري الحار جدا يقدم في كأس أنيقة. كان اختيارا ممتازا، وكذلك كانت الوجبة الأساسية التي تناولناها. مكان ممتاز لمحبي المطبخ الصيني.

قلب المدينة، وناطحات سحاب نصف مظلمة

أخذني أخي آخر الأمر في جولة بالسيارة لنمر على أرقى مناطق المدينة - دبي مارينا - والتي تقبع فيها مقار الشركات العالمية وناطحات السحاب التي تشكل منظرا أخاذا لوسط المدينة وشاطئها، وتمثل المنطقة الحلم للسكن لكل من يحب أضواء المدينة وصخبها.

دبي مارينا
كانت جولة لطيفة، خاصة وأنني أحب جولات السيارة الليلية في قلب المدن، ولكن السيارة ليست الطريقة الوحيدة للتمتع بأجواء المارينا، حيث يمكن أيضا تأجير يخت أو الاستمتاع برحلة بحرية تعبر بك من المارينا إلى الأحياء التاريخية في المدينة (يمكن حجز واحدة هنا أو هنا، كما أن مواقع السفاري توفر أيضا حجوزات للرحلات البحرية). لم أتمكن من تجربة الرحلة البحرية لعدم توافر الرفقة، ولكني أجزم بأنها كانت ستكون تغييرا ممتعا عن التسكع في المولات. ولكن، وكما لفت نظري كثرة المولات على قلة روادها، لفت نظري أيضا أن كثيرا من العمائر التي رأيتها كان معظمها مظلما، بلا أنوار تدل على وجود حياة. سأستثني هنا مقار الشركات والمؤسسات الكبرى، بافتراض أنه لا عمل في المساء وبالتالي ليس من المنطقي أن توجد أنوار. ولكن ماذا بالنسبة لباقي العمائر؟ أعتقد أن النقطة التي أريد أن أصل إليها من ملاحظاتي هي أن الفخامة والترف والواجهة المتمدنة التي تحاكي مانهاتن هي أحد أهم عناصر رأس المال الذي يجعل من دبي محط أنظار العالم ووجهة الشركات العالمية والمشاهير، وأنه ربما كان التعمير الضخم على نطاق واسع مدعوما بتوجه حكومي. من الصعب أن أتخيل استثمارات عقارية في هذه المباني الضخمة يدعمها الطلب السوقي فقط دون أن يكون هناك دافع استعراضي في الخلفية. "نحن قد لا نصبح أبدا الأفق الأوروبي الأخاذ إذا ما نظرت إلينا من قمة برج خليفة، ولكننا حتما سنحاول". في معرض مناقشتي لهذه التدوينة مع الصديق والزميل العزيز عبد الحميد طه، لفت انتباهي للتشابه بين تجربة دبي وتجربة لاس فيجاس، حيث نُحتت كلاهما في قلب الصحراء. أنوار وصخب و "flamboyant grandeur" - لا أجد لهذا الوصف تعبيرا مناظرا في العربية. مدن صناعية، ولكن ليس بمفهوم الصناعة، وإنما بمفهوم الاجتراح من العدم. وفي معرض ذكر المتوازيات، هل حدثتكم عن مدينة فالكون سيتي للعجائب التي من المتوقع استكمال إنشائها في دبي بحلول العام 2020، والذي يصادف نفس العام الذي ستستضيف فيه دبي معرض إكسبو 2020؟ مدينة ستحوي نسخا مصغرة من عجائب الدنيا السبع - الأهرامات وبرج بيزا المائل وحدائق بابل المعلقة وغيرها، بالإضافة لبرج إيفل وتاج محل - بتكلفة مبدئية تقدر ب 36.5 مليار دولار. ستكون "لاس فيجاس" الشرق الأوسط، ولكنها تزايد عليها بأن تسحتضر للزائرين أزمنة لم يعاصروها، وتستثمر نهمهم لرؤية عجائب الدنيا التي لن يجدوها إلا تخيلات في كتب التاريخ.

دبي مارينا - برج كيان، أو البرج اللانهائي
ماكيت لفالكون سيتي تجدونه في مول الإمارات

زاوية أخرى لماكيت لفالكون سيتي

وبشكل عام

عدت من دبي بشعور عام بالحسرة، إذ أعقد المقارنة بين ما تفعله دبي وما تفعله (أو بالأحرى ما لا تفعله مصر) لجذب الزائرين والسياح. والحقيقة أنني أحترم الإنجاز الجبار لحكومة دبي في وضعها على خارطة المدن التي تجتذب اهتمام العالم، خاصة مع دخولهم مؤخرا موسوعة جينيس للأرقام القياسية كأكبر احتفالية للألعاب النارية بمناسبة العام الجديد. ولكن ما الذي تمتلكه دبي حقا إذا ما شئنا تقييمها سياحيا واستثنينا المنشآت والأبراج الخارقة في طولها والمعجزة في معمارها؟ بعض من التاريخ الذي يتوارى خلف صرعة التمدن والحداثة. ماذا تمتلك مصر؟ ماذا تمتلك القاهرة والاسكندرية والأقصر وأسوان وشرم الشيخ ومطروح والغردقة وغيرها من المدن المصرية؟ إن المقولة التي يقولها الكثير من المصريين بسخرية بأننا "حضارة 7000 سنة" ليست ساخرة البتة. نحن بالفعل نمتلك رأس مال فاحش من التاريخ لم يتأت لغيرنا، والأدهى أنه لا يتركز في مكان واحد، وإنما يتوزع بطول البلاد وعرضها. سبعة آلاف عام من التاريخ الفرعوني والقبطي واليوناني والروماني والإسلامي والخديوي وحتى الحديث تتناثر على أرضنا ولا يستثمرها القائمون على تنمية السياحة كما يجب، وإنما هم يتباهون بأننا نمتلك ثلث آثار العالم، ثم هم لا يدعمون أي توجه جاد للعناية بكل تلك الآثار وابتداع أساليب حديثة في تسويقها. القناعة العامة هي: الهرم قابع في مكانه، وسيأتي إليه الناس حتى لو كان محاطا بالقذارة. الآثار الإسلامية قابعة في القاهرة القديمة يتآكلها الإهمال، وسيأتي الناس لزيارتها حتى وهي متآكلة، وشارع المعز الذي أسموه المتحف المفتوح يمكن أن يغرق في مياه المجاري ولا تهتز شعرة في رأس المسئولين، باعتبار أن السواح سيأتون فقط لأن لدينا ثلث آثار العالم. فإذا شئنا أن نعرف بالتفصيل ما هي تلك الآثار فلن نجد حصرا متكاملا لها في أي مكان ولو حتى على الورق، حتى يتمكن أمثالي من بناء قاعدة بيانات إلكترونية تسهل بناء خدمات تقنية أرقى كجدولة الصيانة ومتابعة وتوصيف حالة المباني القديمة تاريخية الطابع غير المملوكة للدولة وتوفير خدمات للسواح عن أماكن وتاريخ تلك الآثار وتصميم رحلات ذات ثيمات غير تقليدية تختلف في مزاراتها عن الرحلات المعتادة التي نحفظها جميعا، ناهيك عن تصميم برامج قائمة على فكرة الواقع الافتراضي "augmented reality" تمكن السواح من دمج الأماكن الأثرية على أرض الواقع مع تخيل افتراضي لشكلها الحقيقي وقت إنشائها (تطبيق مدينة باريس مثالا)، أو القيام برحلات تاريخية افتراضية تسترجع أحداثا حقيقية من حقب مختلفة (كما تفعل مثلا لعبة صممت لتحاكي التاريخ والثقافة اليهودية بمدينة نيويورك أوائل القرن العشرين). ويمكن بناء هذه التطبيقات على الهواتف والكاميرات الذكية وحتى على نظارة جوجل لتكون متاحة للجميع وتوفر تجربة مستخدم متميزة تليق بعظمة التاريخ المصري. تتفرق المعلومات عن الآثار والمواقع التاريخية إذا بين القبائل (الهيئات والمؤسسات الحكومية)، وتغرق في تفاصيل الروتين والإجراءات العقيمة، وتنتشر بسبب ذلك سرقات الآثار، ونفقد نحن القدرة على بناء خدمات تكنولوجية تفيد القطاع وتساهم في تنمية رأس ماله. وما يسري على الآثار يسري بالطبع على أماكن السياحة الشاطئية والعلاجية وسياحة الواحات والسفاري. إن الهرم القابع مكانه دون خدمات مميزة مزار عظيم يخطف الأنفاس، ولكن دبي تبني أهراما هي الأخرى، تارة كمركز تجاري وتارة كنموذج مصغر ضمن أعاجيب الدنيا السبع. تبني هذه الأهرام وتصمم حولها خدمات وحركة شرائية تترجم لأرباح وسمعة تتردد في العالم.
أتعرف عزيزي القاريء ما هو أهم عامل جذب طبيعي تمتلكه مصر؟ إنه الجو المعتدل. هنا في مصر لديك التنوع اللازم لتتغلب على ظروف الطبيعة وتغير الفصول؛ في الشتاء هناك مزارات دافئة، وفي الصيف هناك شواطيء رائعة، ولكن كيف يتم تسويق كل ذلك للمصريين وللعالم؟ أنا أتابع ال CNN وال BBC بانتظام، وأشاهد عليهما دوما إعلانات عن بلدان أوروبا الشرقية وتركيا وجنوب شرق آسيا، ولا أشاهد إعلانات عن زيارة مصر. حتى في القنوات المصرية والعربية، تكون الإعلانات في أضيق الحدود وفي مواسم معينة، ولا أرى - على قلة متابعتي للقنوات العربية والمصرية - أي استعراض للأماكن السياحية المصرية في المسلسلات والبرامج التلفزيونية إلا فيما ندر، والنتيجة أن السياحة التركية مزدهرة نتيجة لتكثيف الإعلانات والمسلسلات التركية التي تستعرض المناظر الطبيعية والمزارات السياحية في تركيا، على حساب السياحة المصرية التي لا تدعمها حتى مسلسلاتها. هناك بالطبع مواقع إلكترونية تشكل نقاط بداية جيدة للراغبين في زيارة مصر، كموقع هيئة تنشيط السياحة و موقع رحلات مصر، كما وأن هناك عددا من المجتمعات التي كونها ناشطون في مجال السياحة على شبكات التواصل الاجتماعي بهدف تنمية السياحة، كحملة تنشيط السياحة الداخلية المصرية. ولكن هذا ليس كافيا في زمن يسعى فيه الجميع لمقاسمتك ميزاتك التنافسية بأن يحاكوها مع خدمات أفضل. ربما أتحسر لأن أملي هو أن نؤرشف كل تاريخنا ونعتني بكل تلك المزارات الرائعة التي نمتلكها بالفعل ونسوقها بشكل جيد ومبتكر وبما يتماشى مع الروح الحداثية والتقدم التكنولوجي للعصر. إن التسويق الجيد يمنح دبي موقعا متقدما بين مدن العالم رغم افتقارها للعمق التاريخي، في حين نمتلك نحن إرثا تاريخيا ضاربا في العمق ولا نحصره حتى بشكل ملائم، ولإننا نفتقد حصرا شاملا له، لا نعرف من أين نبدأ في صيانته وترميمه حتى نستطيع أن نصمم له نموذجا تسويقيا متفردا ينافس بقوة. سيتحدث البعض عن قلة الموارد وفقر الموازنة، ولكن السياحة مورد يمكنه أن يخدم نفسه؛ ما ترممه سيجلب زيارات سياحية إضافية تجلب بدورها المزيد من العملة الصعبة، والتي ستساعد في تمويل المزيد من أعمال الترميم. ثم إن العديد من الهيئات العالمية - كاليونيسكو والمعونة اليابانية - لا تتوانى عن المساهمة التمويلية في ترميم وتحديث المناطق التاريخية والمعالم الأثرية المصرية، كما وأن المشاريع التكنولوجية التي يمكنها أن تخدم هذا القطاع وتطور الخدمات التي يمكنه أن يقدمها للزائرين لن تعدم أن تجد تمويلا من الهيئات التي تدعم المشاريع التكنولوجية، كما فعلت مدينة فيلاديلفيا مثلا. هذا التمويل ليس بالضرورة ضخما كما قد يتخيل البعض، إذ أن العامل الأساسي فيه هو كفاءة المطورين وقدرتهم على تصميم خدمات مستجدة تلقى القبول والإقبال لدى المستخدمين. ربما يتحدث البعض عن منظومة فساد في التعامل مع أموال ترميم الآثار بالإضافة لانعدام الكفاءة في صرف تلك الأموال وتوجيهها لأجور عاملين بالقطاع السياحي لا يقومون بشيء مفيد باستثناء أنهم موظفون، ولكن للفساد وترهل الجهاز الإداري بالدولة قصة أخرى، خلاصتها في هذا السياق أن الإرث الحضاري وحده لا يكفي لجذب الزوار والاستثمارات، وأن الخدمات الكفء والحيادية التي تقدمها المنظومة لا تقل في أهميتها عن الخدمات التقنية والتسويق.
إن دبي أنشأت أسطورة من لا شيء؛ مدينة حداثية متكاملة من المعمار الخارق والنظام والنظافة والأمان واحترام المرور تنقل للزائر صورة حضارية مريحة تسهل عليه أن يتغاضى عن سوء أجوائها في الصيف، الذي هو في النهاية فصل واحد من فصول السنة الأربعة. ماذا ننقل نحن في مصر؟ إن رحلة قصيرة إلى القاهرة الإسلامية والأحياء الشعبية التاريخية في القاهرة القديمة وأبوابها كفيلة بأن تجيب. لا نظام، لا نظافة، لا احترام للمرور. هل لدينا حصر بالمباني الخديوية التي لا بد وأنها تحولت إلى آثار قيمة الآن؟ إن المتابع لمأساة قصر السكاكيني* بمنطقة الظاهر، أو ما حدث مؤخرا من هدم فيلا أجيون الأثرية بالإسكندرية** والتي من المفترض أنها مدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، سيدرك كم نحن مترهلون في تعاملنا مع ثرواتنا الأثرية ومتهاونون لحد الإجرام في الحفاظ عليها. ربما أكون غير ملمة بالخلفيات التقنية لحقوق ملكية الورثة وكيفية التخالص معهم من قبل الدولة، ولا أعرف الكثير عن المعايير التي تستخدمها وزارة الآثار في تقييم المباني الأثرية وتمييزها عن المباني العادية، ولكن ما يثير حسرتي هو: وماذا بعد؟ فلنفترض أن الدولة حصرت الأماكن والأبنية الأثرية، ماذا تفعل بعد ذلك لتسويقها وتخليق عائد رأس مالي مقابل صيانة تلك الأماكن والعناية بها؟ لا أرى مجهودات تذكر في التسويق الذكي والاستغلال الأمثل لهذا المورد الذي لم نبذل شيئا لخلقه، اللهم إلا بعض الترميم والحصر الذي لن يتطلب تمويلا خارقا، ويمكن لبعض حلول تكنولوجية بسيطة أن تساعد في تسهيل المهمة، طالما وجدت الكوادر المتحمسة التي يهمها تطوير القطاع الأثري والسياحي***. ماذا فعلت دبي؟ خلقت موردا من العدم. أنشأت ناطحات سحاب ربما يكون نصفها فارغا، ولكنها مبهرة، وبنت جزرا في البحر وأنشأت عليها فيلات وفنادق، قد يكون نصفها شاغرا، ولكنها مبهرة، وأنشأت مراكز تجارية تحوي أشهر الماركات العالمية، قد لا تكون مزدحمة بالزبائن، ولكنها مبهرة، والأهم من ذلك كله أنها أنشأت نظاما محترما لراحة الزائرين والمقيمين على حد سواء. حتى لو أدرنا ظهرنا للتاريخ وركزنا على المنشآت المعاصرة كالمراكز التجارية، فإن دبي تتفوق علينا بمراحل، إذ هي تحول كل رحلة لك داخل المراكز تجارية إلى متعة خالصة، بالديكورات المتنوعة، والنافورات المطعمة بالتماثيل، والعوالم المائية (في دبي مول وفي فندق أتلانتس يمكنك مشاهدة أحواض الأسماك الضخمة)، وغيرها. اذهب إلى سيتي ستارز أو مول العرب على الجانب الآخر، وكل ما ستجده هو المحلات والأنوار، وربما شجرة كريسماس في نهاية العام. ربما نحن نتشابه مع دبي إلى حد بعيد في أننا لم نستغل التكنولوجيا والخدمات المتطورة وفغير التقليدية التي يمكن أن تقدمها، ولكني أرى أن دبي لن تلبث حتى تدرك هذا القصور وتبدأ موجة أخرى من دعم واستيراد الإبداعات التكنولوجية الخدمية، فور أن تحقق التشبع من الإبداعات المعمارية. نحن هنا نمتلك نقطة تفوق غير مستغلة، بتاريخ عريق ومعالم أثرية يحبها العالم بالفعل، وكل ما نحتاجه هو بنية خدمية تكنولوجية مبدعة، يدعمها بعض من النظام والتحديث للجهاز الإداري. من المحزن حقا أن يصدر تقرير "التنافسية في السياحة والسفر"**** من المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2013، والذي يرصد التغيرات التى تحدث فى اقتصاد الدول بما يؤهلها لتوفير بيئة سياحية مناسبة للسائح وللمستثمر، فنجد أن ترتيب مصر هو الخامس والثمانين من بين 140 دولة، في حين تحتل الإمارات العربية المتحدة المرتبة الثامنة والعشرين (يمكن الاطلاع على ملخص للتقرير باللغة العربية هنا). "لسنا الوحيدون، ولم نعد متميزون"، والبساط السحري ينسحب من تحت أرجلنا، لأن إيقاع العالم يتغير.
إن لم نكن نرغب في ابتداع صناعات، ولا في تطوير الزراعة، وإن كانت قناة السويس حُفرت بدماء المصريين لتظل معبرا مائيا لا يحتاج إلى إعادة اختراع، أفلا نرمم آثارنا الموجودة بالفعل، ونصمم قاعدة معلوماتية وتكنولوجية تخدم هذه الآثار وزائريها، ثم نجعل كل ذلك في سياق من القانون والمرور والنظام الذي يرحب بالزائرين ويحترمهم؟ لن نخترع الذرة، ولن ننفق الأموال الطائلة، نحن فقط سنصون ونحمي ونخلق خدمات جديدة لن تكلف الكثير. أليس من غير الإنصاف أن تجتذب النقوش والتماثيل الفرعونية المقلدة الزائرين في دبي وتساهم في تنشيط الحركة السياحية والتجارية فيها، بينما تقبع الأصول هنا على طول نهر النيل دون أن تنشط حولها حركة تجارية وشرائية وتثقيفية متجددة؟ إن دبي قد نجحت في اجتراح معجزة، وبنت كيانها كأسطورة من الأسمنت والرفاهية، أما نحن، فقد تسلمنا المعجزة من أجيال متعاقبة، وحفظنا الأسطورة المسجلة على جدران يمتد عمرها لآلاف السنين، فهل يمكننا أن نضيف للأسطورة؟ أن نحييها ونجددها فقط؟

معبد دندرة - الأقصر


* قصر السكاكيني من أقدم قصور مصر، وقد تم بناؤه سنة 1897 م على يد حبيب باشا السكاكيني. يقع القصر في ميدان السكاكيني في وسط مدينة القاهرة، وتحديدا في منطقة الظاهر المزدحمة بالسكان، ويكاد يختفي القصر وسط غابة من الابنية المتهالكة التي لا تملك أي حس جمالي، والقصر مصنف ضمن آثار القاهرة، بل وتتخذه منطقة آثار وسط القاهرة مقرا إداريا لهم، ومع ذلك يعاني القصر من الإهمال الشديد سواء من خارجه أو داخله. المصدر: ويكيبيديا.
** فيلا جوستاف أجيون هي فيلا من تصميم المعماري الفرنسي أوجوست بيريه (1874 - 1954)، أحد أهم وأشهر معماري العالم، ورائد استخدام الخرسانة المسلحة في إنشاء المباني. بسبب القيمة العالية لبيريه أدرجت اليونسكو أبنية قام بتصميمها في قائمة التراث العالمي، لتصبح تراثا للإنسانية جمعاء لا لشعب من الشعوب، ويزورها اليوم الآلاف في كل عام. الفيلا تقع في حي وابور المياه الذي بدأ العمران به في القرن التاسع عشر. المصدر: ويكيمابيا
*** يبدو أن كشوف الحصر الوحيدة التي تسجلها وزارة الدولة لشئون الآثار هي كشوف حصر خريجي الآثار.
**** يمكن مطالعة المعايير التفصيلية التي استخدمت في تحديد مؤشر التنافسية هنا.

Thursday, November 21, 2013

عن صندوقيّ كتبي، وعلبي

في لحظة رواق، فاجأتني الذاكرة بأن عادت بي لأيام بعيدة، سحيقة في البعد.
أتذكر أول أيام وعيي بالعالم في ليبيا، حيث عشنا عيشة التقشف التي ليس بها حتى الحد الأدنى من اللهو البريء. أتذكر صندوقاً كان تحت سرير أبي. كان الصندوق يحوي كتباً كان يُدَرِسُ منها للمرحلة الثانوية: المنطق، علم الكلام، علم النفس في حياتنا اليومية، التاريخ الإسلامي، الفلسفة، علم الاجتماع. كان أبي مدرس علم نفس واجتماع (وفلسفة ومنطق ولغة إنجليزية لحد مايجيبوا مدرسين فلسفة ومنطق ولغة إنجليزية). وكان الصندوق يحوي إضافة لهذه الكتب كتباً أخرى يجمعها أبي في نهاية كل عام دراسي من أروقة المدرسة بعد أن يلقي بها الطلاب سعداء: النصوص والشعر للثانوية العامة، القراءة الحديثة للثانوية العامة، تراجم شكسبير، الوعد الحق، قصص الأنبياء. كما احتوت المجموعة على مجلدات بهجة المعرفة للصادق النيهوم (التي ضمها أبي للصندوق في أواخر أيامنا بليبيا، وحوت قصة الحضارة والعلم والكون والإنسان منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر الحديث). كنت في بدء وعيي غير مدركة لما يحويه هذا الصندوق من كنوز، فكنت أخرجه خلسة وأبحث عن الكتب التي تحتوي الرسومات، وأدى هذا لأن أختار في أول تعارفي بالصندوق كتاب الوعد الحق، وأقرأ بعضاً منه بما تيسر لي مما تعلمته قبل دخولي المدرسة، ثم ألون الرسومات بأي أقلام تلوين أجدها في البيت.
عندما انتظمت في المرحلة الابتدائية، لم يكن لدي ما أفعله في الصيف؛ لم يكن لدينا أنشطة صيفية، ولا "فسح"، ولا برامج ترفيه تليفزيونية (كانت الحرب اللبنانية على أشدها وكان التلفزيون الليبي يمسينا ويصبحنا بمشاهد القتلى وبساعة يتيمة من كارتون الأطفال). وكان أن بدأت عادة صيفية مقدسة استمرت معي إلى أن عدنا إلى مصر: كنت في أول يوم للعطلة الصيفية أخرج صندوق الكتب من تحت سرير أبي وأنا أرتجف جذلة من الإثارة كما لو كان صندوق لعب جديدة، ثم أقرأ كل ما به من كتب طوال شهور الصيف. كان أول ما قرأت بعد "الوعد الحق" كتاب "علم النفس في حياتنا اليومية"، وتعلمت منه ما معنى الارتباط الشرطي، وما هي تجربة بافلوف، وما هي أنواع الفوبيا (الخوف المرضي) المختلفة، وكيف تتم جلسات العلاج النفسي، وماهية الدفاعات النفسية التي يفعلها البشر في مواجهة الضغوط النفسية، وما معنى القلق المرضي، والمعنى العلمي للهستيريا، ومرضاً عجيباً اسمه النوراستينيا (Neurasthenia) والذي يتضمن الشعور بأعراض جسدية كالوهن والأوجاع ليس لها تفسير فيسيولوجي محدد. وكان من أهم ما تعلمته من هذا الكتاب هو "كيف تقرأ بسرعة"، وملخص هذا أن العقل البشري يمكنه إدراك سطر كامل من الكلام رؤية وفهماً إذا ما ركز على ثلاث نقاط في كل سطر: البداية والمنتصف والنهاية. وغَنِّي عن المقال أنني أكملت قراءة الكتاب باستخدام هذه الطريقة، ومنذ ذلك الحين وأنا أقرأ الكتب والمقالات هكذا؛ مبتدأ، منتصف، وآخر.
تلا هذا الكتاب كتاب علم الكلام، وهذا الكتاب بالذات كان محيراً بالنسبة لي وقتها، فقد تخيلت أنه كتاب عن تعلّم كيفية "الكلام"، وأذكر أنني قلت في نفسي: "ياي! سأتعلم أخيرا كيف أتحدث بشكل جيد!"، لأفاجأ بأن علم الكلام هو العلم الذي تَعرَّض للجدليات التي صاحبت بعض المسائل الشائكة في عقائد الإسلام، كالقول بقدم القرآن أو حدوثه، وفرضية القدرية والاختيار، وصفات الله، بهدف إثبات تلك المسائل بالدليل العقلي والحجج المنطقية. لك أن تتخيل أيها القاريء الكريم أن تقرأ البنت ذات الست سنوات قصص الوعد الحق وعلم الكلام وتتعرف على صراعات الصحابة وجدليات الدين قبل أن تدرك ماهية الدين نفسه. أجزم بأن هذين الكتابين تحديداً هما ما جنبني أن "أشتري" موجة تدين التسعينات الشكلية التي جرفت مصر في طريقها، وعلّماني أن أفكر في كل ما يعرض لي في أمر ديني بالمنطق والتفسير المتسق مع العقل. أذكر أنني وقتها كتبت خطاباً أتحدث فيه مع نفسي مثبتة وجود الله بالدليل المنطقي بما تأتى لفتاة لم تتعد العشر سنوات، ولكني أضعت ذلك الخطاب للأسف مع ما أضعت من أشياء كثيرة.
ثم كان أن قرأت كتب المنطق والفلسفة وبعض تراجم لشكسبير وعلى هامش السيرة لطه حسين. لم أستمتع كثيرا بالفلسفة، ولكن المنطق كان أكثر من رائع، وقد كان من الممتع أن أدرس فيما بعد في الجامعة التصميم المنطقي والذكاء الاصطناعي، لأجد كتاب المنطق ذاك يسعفني في دراستي واستيعابي لهاتين المادتين. ولكن أهم ما استفدته من كتاب المنطق كان كيفية سوق الحجة المنطقية لدحض (أو توكيد) نظرية ما. وكلما جرفتني العاطفة في جدال ما، تذكرت بعضاً مما كنت قرأته في ذلك الكتاب لأستعيد الهدوء وأُرسي هذا المبدأ في حياتي: "إن لم تكن تعلم، لا تتكلم". أما تراجم شكسبير "تاجر البندقية" و "الملك لير" فكانت قراءتها متعة فائقة لم تكن تَعلوها متعة في كل المجموعة، وقدمتا لي أفكاراً كالعقاب والحيلة والصدق وزيف المظاهر وأهمية البحث عن جوهر الأشياء، فتعودت منذ ذلك الحين أنني، وإن كنت أحب المظاهر، لا يجب أن أنخدع بها عن إدراك الصدق وتحريه في تعاملي مع المواقف والناس والأشياء. أما على هامش السيرة فقد قرأت الجزأين الأول والثالث، وكان الجزء الأول قراءة سحرية في العالم قبل النبوة، تقرب من الميتافيزيقا، أما الكتيب الثالت فكان رصدا لتحولات المجتمع الإسلامي بعد النبوة، وكيف أضحت المصالح والصراعات سيدة الموقف، في ثيمة تقرب كثيرا من "الوعد الحق". لقد أحببت الوعد الحق كثيرا، لأنه كان يرصد جانبين من الدعوة يغفل عنهما الكثير: الفقراء وسيرتهم، ودورهم في تشكيل الصراع الذي كان طبقياً بقدر ما كان سلطوياً. انتصر طه حسين في الوعد الحق للفقراء، وتكاد هذه أن تكون المرة الوحيدة التي ينتصر فيها للفقراء في كتاباته، ربما لأن الفقراء هنا كانوا إيجابيين في صياغة حياتهم ومواقفهم ولم يكونوا مطية للمجتمع من حولهم يشفق عليهم وقتما يشاء ويستغلهم كيفما يشاء.
أجمل ما كان يحدث لي عند نهاية كل صيف بعد أن أكون قد أتممت قراءة كل تلك الكتب هو أنني كنت أكتشف أنني فهمت أشياء جديدة لم أكن أفهمها العام السابق، وجعلني هذا أدرك كيف أن فكري كان ينمو مع كل عام بما كنت أتعلمه في المدرسة. وقد كانت بيئتي التعليمية ممتازة بحق: كان معظم الطاقم التدريسي أستاذات فضليات، وكن يجمعن بين التحرر الفكري والاستقلالية بشكل لم أدرك مدى روعته إلا عندما رأيت المدرسات المصريات في المرحلة الثانوية .. كانت لديّ مدرسة لغة عربية لا تتحدث منذ بدأ الحصة إلا باللغة العربية الفصحى، وهكذا أحببنا النحو والإعراب، وكانت لدي مدرسة تربية دينية "غير محجبة" هي من علمني أن أتوقف عند مفهوم ودلالة كل كلمة أقرؤها - في درس "العفو عند المقدرة"، ما معنى كلمة عفو؟ وما معنى كلمة مقدرة؟ وما هو التناسب الأمثل بينهما الذي يخلق الموقف الذي يكون عنده العفو عند المقدرة شيئا محموداً؟ وكانت لديّ مدرسات رياضيات ساعدنني في ترسيخ التفكير المنطقي الذي زرع نواته كتاب المنطق، وكانت لديّ مدرستان للعلوم هما من علمتاني أن لا أتصدى لمهمة إلا إن كنت أعرف أنني سأستطيع إتمامها. كنا نقف في طابور الصباح بكل احترام ونمارس الرياضة (الحقيقية) نصف ساعة قبل بدأ الحصص، وكنا نقوم بالتجارب العملية في معامل العلوم، وكنا نمارس العديد من الأنشطة الفنية والأدبية؛ التمثيل والموسيقى والرسم والخط ومجلات الحائط والإذاعة المدرسية - التي كان يجب علينا أن نعدد موادها بأنفسنا من قراءاتنا في الكتب والمجلات الثقافية ك "العربي الصغير" و "المختار" و "ماجد". لم أترك مجالاً خارج حيز الدراسة إلا واشتركت فيه، وساهم هذا في أن أوسع من مداركي أكثر فأكثر، لأعود إلى صندوق كتبي كل صيف وأنا أكثر لهفة لاستيعاب "الجديد" فيه. كان الصندوق هو هو لا يتغير، وكانت الكتب هي هي لا تتغير، ولكنها كانت في ذات الوقت تكبر معي، وكأنها "تطير" معي محلقة أعلى وأعلى في كل عام إلى عوالم لا يراها غيري. كانت تجربة فريدة، وكنت محظوظة بحق.
مع تقدم الأعوام، كبر إخوتي قليلاً وأمكنني أن أشاركهم في اللعب، ولكن لأن اللُعب كانت رفاهية لا نملك منها إلا أقل القليل، تفتق ذهننا عن أن نصنع ألعابنا بأنفسنا: كنا نجمع العلب، أي علب؛ علب سجائر، أدوية، عطور مهداة إلى والدتي من تلامذتها، أي علب، ونبني منها بيوتاً مؤثثة: أَسِرَّة وصالونات ومكتبات ومطابخ وقطع ديكور. كنا نأخذ كِسر المرايا القديمة من الشارع ونؤطرها ببقايا أقمشة مزركشة ونضعها في "البيوت"، ثم نرسم على الورق شخصيات لساكني تلك البيوت، ونصمم لهم ملابس للبيت والسهرة. تطورت لعبتنا تلك إلى كتابة سيناريوهات لما يحدث في تلك البيوت، وللتفاعل بين كل بيت مع الآخرين: قصص حب، وصراعات، وعائلات تتكون. مع تقدم السنين صار الأمر تنافسياً بيننا؛ من يجمع أفضل العلب ويصمم أجمل البيوت، وتحول الأمر إلى أعلى مراتب ال "scavenger hunt". كان كل منا يضع قطعه "الثمينة" في صندوق خاص به، وكنا نتهافت على أبي انتظاراً لكل علبة سجائر ودواء ينتهي منها، ولربما سرقنا من بعضنا في الليل أفضل القطع، ولكننا لم نفعل هذا كثيراً لأن السرقة كانت تنفضح سريعا عندما يحين وقت اللعب المشترك. وكان أن أصبح صيفي منقسما بين هذين الطقسين المقدسين: نصحو في الصباح لنشرب الشاي ونأكل الخبز المقرمش والجبن الأبيض، ثم أخرج صندق العلب لألعب وإخوتي قليلاً، ثم نصمم ملابس جديدة، ثم أقضي العصر والمساء أقرأ كتاباً من صندوق الكتب، تتخللها ساعة الكارتون مع "سبانك" أو "الحوت الأبيض" أو ساسوكي" أو "الغواصة الزرقاء" أو غيرها.
عندما أخذ والداي قرار العودة النهائي لمصر، كان أول ما فكرت فيه هو: كيف أقنعهم بأنني يجب أن آخذ صندوقيّ معي؟ لم أكن أتخيل أن أنفصل عنهما وعن طقسي الصيفي المقدس، ولكن كان لأبي الكلمة الأخيرة في هذا الموضوع، لأنه من يحزم الحقائب، وقد كان هناك أشياء أهم بكثير من حفنة من الكتب والعلب. وكان أن أقنعت نفسي أنني يمكنني في مصر أن أجمع علباً جديدا في صندوق جديد، ولكن ماذا عن الكتب؟ أعتقد أن ما حدث هو أنني في آخر ليلة حزمت في الحقيبة التي كان يجب أن أحملها على ظهري بعض الكتب، لأنني لم أكن أملك ملابس إلا الفستان الذي سافرت به، ولكن حقيبتي للأسف لم تتسع لكل الكتب. كان الاختيار مؤلماً، واستقر بي الأمر أن أخذت كتب القراءة الحديثة والنصوص ومجلداً واحداً من "بهجة المعرفة" لأنها كانت أخف الأحمال. كانت كتب النصوص تلك هي من عرفني بالشعر الجاهلي والخطابة في الجاهلية ثم في أول وصدر الإسلام، وكان المحتوى لا يخجل من رصد الصراع الكلامي (شعراً وخطابة) بين طرفي الصراع العتيد على السلطة في عهد علي كرم الله وجهه، بالضبط كما رصد الصراع الجاهلي في تلك الحروب الطويلة التافهة. وكانت كتب القراءة الحديثة تلك حافلة بالقصص القصيرة مما كتب المنفلوطي وأحمد أمين وغيرهما من أدباء العصر الحديث، كما احتوت مقالات كثيرة ترصد بعض الظواهر المجتمعية كالذكاء الاجتماعي ومكانة المرأة.
هكذا كان الفراق بيني وبين صندوقيّ كتبي وعلبي، رفقاء طفولتي وبدايات مراهقتي، ومؤنسيّ وحدتي في غربة كان فيها الكثير من الأوقات الحلوة، والكثير من الأوقات المرة، والأكثر من الوحدة. لم يتسنّ لي في مصر أبداً أن أعيد بناء صندوق العلب، وكأنما كان السحر كله في ذلك الصندوق القديم، أو كأن التقدم في العمر ومحاولة التأقلم مع الصدمة الحضارية التي شكلها لي الانتقال من ليبيا إلى مصر أجبرني على أن أخرج من "فقاعة" العالم المثالي الذي كنت بنيته لنفسي لأواجه عالماً حقيقياً شرساً غير متسامح ولا راقٍ. كانت الإضافة المصرية الوحيدة التي أضفتها للمجموعة التي استنقذتها من ليبيا هي كتابات رؤوف وصفي في الخيال العلمي، والتي تميزت عن باقي سلسلة الجيب التي كانت تغرق المكتبات في مصر بكونها تعرضت بشيء من العمق للتأثير الاجتماعي والنفسي للتقدم العلمي على البشر. ولكن أبدا لم يكن لها نفس سحر كتبي الأصلية، التي شكّلتني، ولم تتركني أبدا، ولازلت أتذكر صفحات بكاملها عن ظهر قلب، واستطعت في النهاية بفضل الإنترنت أن أتحصل على بعضها مرة أخرى، وجمعت الكثير الكثير غيرها، وعدت ثانية إلى القراءة المنتظمة. لكن الصيف فقد بهجته منذ آخر مرة أخرجت فيها ذلك الصندوق الأبيض القديم الذي حوى كتبي الأولى وأنا أتقافز من السعادة متلهفة على قراءتها.
كم تبدو تلك الأيام قريبة جداً الآن، رغم بعدها السحيق.
وداعاً يا كتبي الحبيبة، لقد كنتِ لي خير رفيق، ولن أنساكِ أبداً.

Tuesday, June 11, 2013

أزمة وجودية

عندما عدت إلى مصر في أوائل التسعينيات، كان معي مجلد صغير من الخطابات العائلية المؤرشفة حسب المرسل. في إحدى هذه الخطابات، والذي أُرسل إلى أمي من خالي الأصغر، وجدت هذه الفقرة:

كان هذا الخطاب مؤرخاً بتاريخ 3/11/1989. كنت وقتها في الصف السادس الإبتدائي. بعد هذا التاريخ بثلاثة وعشرين عاماً وخمسة أيام بالتمام والكمال، وبالتحديد في يوم 8/11/2012، حصلت على درجة الدكتوراه في نظم المعلومات، أحد التخصصات الواعدة في مجال الكمبيوتر. بدا الأمر وكأنني أحقق نبوءة ما وأن مصيري إلى تحقيق أشياء عظيمة، كما يحدث بكل سذاجة في الأفلام.
الحقيقة المجردة هي أنني حتى يومي هذا لازلت أتساءل عما إذا كنت أحب مجال عملي وأريد أن أستمر فيه ما تبقى لي من العمر. تمنيت لو أن هناك اختباراً محترماً يسألني عن الأشياء التي أحب حقاً أن أعملها وأجتهد فيها ثم يجيبني بمجال العمل المثالي لقدراتي، كما فعل أحد أبطال المسلسل الشهير "فريندز". يتساءل تشاندلر - المحاسب - عن جدوى عمله وعما إذا كان يجب عليه أن يغير مسار حياته العملية ويمتهن عملاً آخر، لأن عمله المحاسبي ممل ورتيب وغير جذاب. ولأنه لا يعرف ما هو المجال الذي يرغب في العمل به، يبحث عن استبيان قد تمنحه الإجابة عليه إشارة لموهبته الحقيقية أو "ندّاهته" (his true calling). بالطبيعة تكون نتيجة إجاباته عن الاستبيان أن أفضل عمل يمكنه القيام به هو "المحاسبة"، فيعود بذلك إلى نقطة الصفر. يمكن ترجمة هذا الموقف الذي من المفترض أن يكون كوميدياً لإحدى أمرين: الأول هو أنه حقا يحب المحاسبة ولكنه لا يعرف أو يمر بأزمة ملل أو ضغط نفسي، والثاني أنه لم يعط نفسه الفرصة في الأساس لاكتساب مهارات تخرج بإجاباته في الاستبيان عن إطار ما يعرفه وهو المحاسبة. يظل الاحتمال الثالث قائماً بالطبع وهو أن يكون الاستبيان في حد ذاته مجرد هراء.
علق هذا المشهد الكوميدي بذاكرتي منذ شاهدته في أواخر التسعينيات، وكان صدى للمعضلة التي ظلت - ولا تزال - تنغص تفكيري: ما هو العمل الذي أريد فعلاً أن أقوم به وسأكون به سعيدة رغم ضغوطه وأعبائه؟ بدأت هذه المعضلة منذ اليوم الذي نجحت فيه في الثانوية العامة وأزفت لحظة الحقيقة الأولى المتمثلة في الاختيار المقدس للكلية التي سأتابع فيها دراستي الجامعية، وهو الاختيار الذي سيقوم به الكثيرون غيري عندما تنتهي امتحانات الثانوية العامة في غضون شهرين. عندما وضعت قائمة الاختيارات أمامي، لم يخطر ببالي أن يشاركني أحد آخر اتخاذ القرار. لم يساهم والداي مساهمة إيجابية في تعليمي وتوجيهي دراسياً، إيماناً منهم ربما بأنه يجب على الطالب أن يدير شئونه بنفسه. ولكن أبي أراد أن تكون له كلمة في ذلك اليوم، وكانت رغبته في أن أسجل اختياري الأول إما لكلية العلوم أو الهندسة. أتذكر جيدا يومها أنني كنت أرغب بشدة في كلية الآداب أو الألسن، أو حتى الاقتصاد والعلوم السياسية، ولكن كان رأي أبي أنه من الهراء أن يضيع مجموع درجات الثانوية العامة الذي حققته في كليات "أدبية". وكان لا بد من الصدام والجدال، ثم العناد. إن لم تسمح لي بأن أسجل رغبتي في الكليات التي أريد، فلن تنال رغبتك في أن أسجل في الكليات التي تريد. هكذا وفي لحظة العناد تلك سجلت رغبتي الأولى بالالتحاق بكلية الحاسبات والمعلومات، وكان أن التحقت بها بالفعل.
يمكن أن أقول بصدق أنني لم أسع خلال سنوات دراستي الجامعية لرسم صورة ذهنية واضحة لما سيكون عليه حالي حال تخرجي في إطار ما تعلمته في الكلية. كنت أتخيل نفسي سيدة أعمال حرة في مجال الكمبيوتر أنشيء مركزا إقليميا متميزا في خدماته، ولكن لم تكن هناك خطة في ذهني عن الكيفية التي سأفعل بها ذلك. عاصرت في ذلك الوقت زملاء وزميلات أعزاء كان لديهم تصور واضح لما يريدونه وخطة سعي لتنفيذ ذلك التصور، ولَكَم غبطتهم على هذا اليقين الذي يغذي طموحاتهم وجهودهم. أما أنا فبقيت أسبح في أحلام اليقظة السخيفة، حتى حانت لحظة الحقيقة الثانية، عندما تخرجت من الجامعة. قلت لأبي: "لقد نجحت وترتيبي هو الأول بين زملائي في الكلية!". سكت هنيهة متأملاً ثم قال: "وما هي خطوتك القادمة؟ ماذا ستعملين؟". أُسقِط في يدي عندما واجهني أبي بهذا السؤال المصيري. نظرت إلى نفسي موجهة لها نفس السؤال، ولم تكن لديّ إجابة شافية. وما لبثت أن أنقذتني الحكومة من هذه المواجهة مع النفس عندما تم تكليفي بالعمل كمعيدة في الكلية بحكم كوني من الأوائل، وكان أن بدأت العمل في السلك الأكاديمي.
رغم الصعاب الكثيرة والمواقف المحرجة والشائكة التي واجهتني في عملي الجديد بحكم عدم خبرتي في المجال الأكاديمي والتدريسي وبحكم عدم إدراكي الكامل لواجبات وظيفتي وأولوياتها، إلا أنني وجدتني أستمتع بالجانب التدريسي فيه أيما استمتاع. رؤية مصباح الفهم يضيء فوق رأس طالب (هو في الحقيقة ليس مصباحاً، وإنما هو نور الفهم يضيء في وجهه) عندما تسهم في إيضاح مفهوم أو معضلة له هي متعة لا تعادلها أو تتفوق عليها إلا بضع متع نادرة أخرى في الحياة. انغمست في هذا الجانب من عملي بالإضافة لملحقاته الإدارية المتفرقة التي كنت أُكلَّف بها على حساب الجانب الآخر الأكثر أهمية والأشد إلحاحا: البحث العلمي. تكمن مشكلتي الأساسية مع البحث العلمي في كوني لم أتعلم مبادئه بشكل منهجي وسليم منذ البداية، واعتمد عملي فيه بشكل كبير على حدسي الداخلي، سواء في أسلوب الكتابة وما يجب أن يكون عليه أو في قراءة ونقد الأبحاث العلمية والتفكير في المشاكل البحثية واستكشاف حلول لها، ثم اختبار هذه الحلول بطرق علمية تقيس معايير تقييم أدائها. حتى اختياري لموضوع رسالة الماجستير كان عاطفيا بحتاً ونابعاً من أن عنوان الموضوع أعجبني وأثار اهتمامي بأكثر من كونه موضوعاً بحثياً فيه ما يستحق الاستكشاف والدراسة المتعمقة. كنت فاقدة لبوصلة توجيه خبيرة ترسم لي النصف الأول من طريق البحث العلمي (الماجستير) حتى يمكنني أن أرسم لنفسي بثبات ونجاح النصف الثاني منه (الدكتوراه). عندما تعلمت أكثر فيما بعد عن طرق البحث العلمي السليم، قيمت تجربتي في الماجستير، ووجدتني ويالدهشتي فعلت - دونما إدراك مني - كثيرا من الخطوات المنهجية المفترض اتباعها. ولكني أيضا وجدت الكثير من الأخطاء، ولكوني أكره الأخطاء ولا أستطيع التعامل معها بواقعية، ظل تركيزي في جزء كبير من مرحلة الدكتوراه متشبثاً بالتقييم السلبي الذي أعطيته لنفسي في المرحلة السابقة، وتنبهت متأخراً لكوني استغرقت في اللوم والتقريع والشكوى على حساب استغلال الوقت لتعلم ما فاتني أو ما أخطأت فيه.
عندما انتقلت إلى كندا لاستكمال الجزء الثاني من دراسة الدكتوراه، كنت أمر بظروف نفسية قاسية. وجدتني فجأة في بيئة تعمل كل عناصرها لخدمة البحث العلمي، ولا يحتل الجانب التدريسي فيها إلا دوراً هامشياً، حيث المبدأ الأساسي هو أن طالب الجامعة قادر على الفهم والاستذكار والتحليل بنفسه ولا يحتاج إلى الاعتماد الكلي على هيئة التدريس الأكاديمية. كان هذا أمرا مأساوياً بالنسبة لي، إذ أنني اكتشفت فجأة أن التدريس كان مظلة أمان احتميت بها مدة طويلة من مواجهة نفسي، وآن أوان أن أخرج للواقع. كان التدريس دوامة من النشاط المحموم الذي لا يترك لي فرصة للتفكير والتأمل والحوار الداخلي. أما هنا في كندا، حيث لا تدريس، وجدت الصمت المطبق؛ في منزلي الصغير صمت مطبق، وفي معمل الأبحاث الذي كنت فيه صمت مطبق (معظم الأحيان)، وفي مكتبة الجامعة صمت مطبق، وفي الشارع هدوء قاتل وصمت يكاد أن يكون مطبقاً. المدينة كلها صامتة، لأن المدينة كلها تدرس. وجدتني للمرة الأولى منذ سنوات عديدة في مواجهة لا مهرب منها مع الشخص الذي أكرهه كثيرا: نفسي. كدت أصاب بالجنون في أول عام لكثرة ما أقمت حوارات مع هذه النفس. لماذا لا أعمل بجد في نقطتي البحثية؟ لماذا لا أنسى أشياء سيئة كثيرة وأطوي صفحات سوداء كثيرة وأبدأ بداية منتعشة من هنا وأرسم لنفسي خط سير لباقي حياتي وأجتهد للعمل على تحقيقه؟ معظم الأصدقاء الأعزاء الذين قابلتهم في كندا كانوا كالزملاء الذين تعاملت معهم في كليتي بالمنصورة؛ يعرفون جيدا ما يريدونه ويؤمنون بقدرتهم على تحقيقه، ولقد رأيتهم يحققون أحلامهم وطموحاتهم بكثير أو قليل من التعب والجهد. لم تُجدِ الحوارات مع النفس، ولم يُجدِ التأمل في حال أصدقائي هنا أو هناك، وبقيت دوما أبحلق في الأوراق البحثية التي يجب أن أقرأها، وأسرح بخيالي في أماكن أخرى وحيوات بديلة. قناعتي بأن مكاني ليس "هنا" وإنما "هناك" في تلك الحيوات الأخرى التي أقوم فيها بكل الأشياء التي "أحبها" ساهمت بشكل كبير في إبطاء معدل أدائي المتواضع في نقطتي البحثية. ولم يكن من المهم كثيرا أن أحدد ماهية تلك الأشياء المحبوبة، فقد كنت أعتقدها خليطا من القراءة والموسيقى والتاريخ واللغة الإنجليزية ومشاهدة الأفلام - ما يمكن أن نسميه اصطلاحاً "هوايات". فقط لو أن القراءة كانت مهنة! ولكن البحث العلمي كله قراءة! وها أنتِ ذي مطالبة بأن تقرئي كثيرا في موضوع تجدينه شيقا، وعلوم الكمبيوتر متجددة وفيها كل يوم ما يستحق المتابعة والقراءة، فلماذا لا تقرئين؟! فقط لو أن الموسيقى تكون مهنتي! ولكنكِ تملكين مفاتيح معمل يحوي بيانو رائعاً يمكنك أن تعزفي وتتعلمي عليه قدر ما شئتِ من ساعات كل أسبوع! فلماذا لا تفعلين ذلك؟! فقط لو أنني كنت دخلت معهد التمثيل وصرت ممثلة! وفقط لو أن أبي تركني أدرس في كلية الآداب أو الألسن لأعمل في أي وظيفة تتعلق بالأدب الإنجليزي أو اللغة الإنجليزية! تعجبات كثيرة كانت تطن في رأسي كلما جلست في الصمت المطبق لأقرأ أبحاثاً في موضوع رسالتي أو أفكر في حل لمشكلتي البحثية. لو أن أحلام اليقظة كانت مهنة لكنت أجدر من يحظى بها!
أقنعت نفسي أن المشكلة كانت في ذلك السكون المطبق، الذي كنت أرى أنه يتسبب في تشتت الذهن وأحلام اليقظة، بدلاً من أن يكون عاملاً مساعداً على التركيز فيما بين يديّ! لقد ساعدني الصمت على أن أستمع لأول مرة إلى حواري الداخلي القلق، وأدرك أنه لا طريق مرسوماً لدي ولا أحلاماً حقيقية أمتلكها (وتمتلكني) لتدفع بحياتي إلى الأمام. ويبدو أن المشكلة الأكبر كانت في أنني أقنعت نفسي بأنني لا أمتلك من مفاتح الإبداع ما يُمَكِّنني من إيجاد حلول عبقرية وجديدة للمشاكل البحثية التي أدرسها. ولكني لاحظت أمراً آخر مهماً في خضم تلك المعاناة: كلما كُلِّفتُ بأمر ليس فيه مصلحة شخصية لي ولا يتعلق بعملي ولا يتطلب الجلوس للقراءة في مواضيع علمية، وكان التكليف بمهمة واضحة حتى وإن كانت مستعصية عليّ لقلة خبرتي بها، كنت "أقفز الحواجز" وأفعل كل ما بوسعي لأؤدي الأمر أو المهمة على أكمل وجه أستطيعه. تأملت كثيراً في هذه الظاهرة لأواسي نفسي بأن العيب ليس في أنني كسولة ولا أحب العمل وبذل الجهد، وأن المشكلة هي في طبيعة العمل نفسه. البحث العلمي عمل يحتاج إلى حوار داخلي واضح وتسلسل أفكار منطقي، ودراسة متعمقة في موضوعات كثيرة ليتمكن الباحث من إيجاد حلول جيدة أو حتى ممكنة لمشكلته البحثية، مما يستدعي القدرة على تحمل الصمت والسكون والركوز، بل والسعي لهم. أما الأمر الأهم، فهو أن الباحث يعمل في أجواء هي غامضة بقدر ما تحتشد بالحقائق العلمية المجردة. الباحث يعمل على مشكلة ليس لها حل بَعْدُ في حقله العلمي، وهو الوحيد الذي يستطيع إيجاد حلول لها لأنه الوحيد الأكثر تعمقاً في دراستها من جميع جوانبها. لذا، بقدر ما يمتلك ناصية الحقيقة في مجاله البحثي نتيجة قراءاته التحليلية والنقدية، يكون غارقاً بذات القدر في الغموض الناجم من عدم وجود حل للمشكلة البحثية بعد، إلى أن تنجلي الأمور أمام عينيه إن امتلك النباهة والقدرة على الاستنتاج والحس الإبداعي في التفكير، فيتمكن من أن يقول "وجدتها!" ويخضع تلك ال"موجودات" للتجارب المعملية أو الإثبات التحليلي ليتأكد من أنها ليست محض وهم وخداع فكري. وأنا إنسانة أكره الغموض وأرفضه، وأستجليه إن استطعت بأي وسيلة. أنا إنسانة تقرأ نهاية الكتاب قبل أن تبدأ في قراءته حتى لا تفاجئها الأحداث، وتقرأ حبكة الفيلم (spoilers) قبل أن تشاهده لتطمئن إلى النهاية تعيسة كانت أم سعيدة، وتود لو أمكنها استجلاء الغيب لتعرف ما سينتهي إليه مآل حياتها، فكيف لي إذاً أن أصبر أمام مشكلة علمية لا حل لها ويبدو أنني الوحيدة المنوط بها تقديم الحل واستجلاء الغموض؟ إذاً ما دام الحال كذلك فأنا لا أصلح للبحث العلمي!
أعتقد صادقة أن البحث العلمي نوع متفرد من الفن؛ هو عمل إبداعي لن تخرج منه بنتيجة مثمرة ما لم تكن تحبه حقاً وتؤمن به حقاً وتؤمن بأن قدراتك العقلية والنفسية وموهبتك تؤهلك له، وفي ذات الوقت هو عمل ممنهج ذو قواعد لا بد أن تتبعها وذو أصول لا بد أن تلتزم بها، ولذا لا بد أن تكيف نفسك على روتين منضبط ومستمر من القراءة التحليلية المتوسعة والمتعمقة في موضوعك البحثي وكل ما يتعلق به، ثم الإبداع الفكري الذي سيمكنك من "تأتي بمقترح علمي جديد"، ثم التعريف المنطقي والدقيق والمبرهن لمقترحك البحثي والقياس التحليلي والعملي الممنهج لأدائه، ثم الكتابة الرصينة المنطقية والسليمة لكل ذلك. وصلت لهذه القناعة، ووصلت معها لقناعة أخرى هي أنني لا أعتقد أنني مؤهلة لعمل كهذا، كوني مزاجية وغير منضبطة وغير مبدعة وأملّ الروتين. إذاً ما دام الحال كذلك فأنا لا أصلح للبحث العلمي! وأفضل ما يمكنني أن أقوم به والحال كذلك هو عمل تنفيذي أخدم به الآخرين تكون مهامه متعددة واضحة متجددة ولابد لها من الحركة المستمرة و"قفز الحواجز" كي تُنَفَّذ - مديرة تنفيذية لقسم في شركة أو مؤسسة ما مثلاً. هو في النهاية أي عمل يبقيني بعيدة عن حواري الداخلي العقيم الخاضع لأهوائي لا للمنطق. ولكني بدأت أتساءل، هل إن وجدت هكذا عمل سأكون راضية ولن أتعرض للأزمة الوجودية التي تدفعني لأتساءل عما أحب أن أعمله حقاً؟ هل من غير الممكن أن يكون البحث العلمي في جوهره حاملاً - ولو جزئياً - للتوصيف الذي وضعته لطبيعة العمل الذي أفضل القيام به؟ وهل يعبر هذا التوصيف عن رغبة داخلية حقيقية أم عن طريق للهرب من مواجهتي الأساسية مع النفس؟ هل أنا حقاً مفتقرة للمهارات الإبداعية والمثابرة طويلة النفس التي يحتاجها البحث العلمي، أم أنا فقط أعاند حقيقة أنه لدي البذرة الأولى لتلك المهارات وكل ما عليّ فعله هو أن أغذيها بالممارسة وأطلق العنان لعقلي الذي قَيَّدْتُه عندما رسَّخْتُ فيه فكرة أنني لست مبدعة؟ هل أمتلك الجرأة إن وجدتُ العمل الذي سأسعد بالقيام به حقاً على أن أغير مساري الذي خطوت فيه خطوات كثيرة بالفعل - مثلما فعلت مارسيا لي عندما تركت العمل في مايكروسوفت لتتبع شغفها وتعمل مع فريق خان أكاديمي - وأواجه انتقادات المحيطين بي لأنني سأترك فرصة عمل جيدة ولائقة اجتماعياً؟ أسئلة كثيرة ولا إجابات شافية، أو ربما لا رغبة لدي في الوصول إلى إجابات شافية بعد، إما لأنني جبانة وأخاف المجهول أو لأنني مستنفذة الطاقة ولست في مكان جيد نفسياً في الوقت الحالي لأستقريء بواطن عقلي. 
لقد عدت إلى أرض الوطن لأنهي رسالة الدكتوراه سريعاً، وكنت ولازلت أرى أنها ليست على أعلى مستوى من المفترض أن تكونه بحثياً. ثم حان الوقت كي أتسلم عملي الجديد كعضو هيئة تدريس بالجامعة، لأجد نفسي في مواجهة أمر واقع هو أن الحديث في أن هذه الوظيفة لا تعجبني يُعدّ رفاهية لا أقدر على تحمل تكلفتها الاجتماعية والمالية. الجميع يتوقع لي أن أستمر في هذا المجال، ويراني جيدة فيه بالفعل، ولا يرون بادرة أمل قريب في أن تتحسن أحوال البلاد بما يُمَكِّن أي شخص من البحث عن فرص عمل أخرى خاصة وإن كان بالفعل يمتلك واحدة. هم يقولون أن المناخ هنا ليس مناخ بحث علمي، وأنكِ تستطيعين دوماً أن تتركي لطلابكِ الذين ستشرفين عليهم أكاديمياً أن يقوموا هم بمهمة البحث العلمي مع بعض التوجيه منكِ، وهذا غير مقبول بالنسبة لي، لأن قناعتي كانت دوماً أن المشرف الأكاديمي لا بد أن يكون ضابطاً لإيقاع أداء طلابه، وأن يكون أكثر شغفاً وإلماماً بالنهج والموضوع البحثي من الطالب، حتى مع كون المشرف لا يملك الحل للمشكلة البحثية. ثم أجد آخرين يحثونني على أن أعمل بمواضيع بحثية ليست من صميم تخصصي بزعم أن البحث العلمي عملية موحدة بأدوات تحليلية وتطبيقية لا تختلف كثيرا باختلاف الموضوع، وهذا أيضا غير مقبول بالنسبة لي، لأنني اكتشفت بالممارسة الفعلية أن العمل في مواضيع بحثية جديدة وبعيدة عن التخصص يحتاج لتركيز وتفرغ واجتهاد طويل الأمد لا يتماشى مع إيقاع العمل المزدحم دوماً بمهام التدريس وخدمة المجتمع. إن الترقي في مراتب وظيفتي لا بد له من الجانب البحثي، الذي أرى أنه يحتاج التركيز والرغبة الحقيقية في استكشاف موضوع أو مشكلة ما، مشفوعة بالعزم على أن يكون العمل مستمراً لا يكل ولا يستسلم أمام الطرق ذات النهايات المسدودة أو التي اسكتشفها آخرون. البحث العلمي يحتاج لشخص يؤمن به حقاً ولا يعتبره وسيلة براجماتية لتحقيق أهداف أخرى، وأكاد أجزم بأن العاملين في هذا المجال يستطيعون أن يميزوا بين إنتاج أولئك الذين يحبون البحث العلمي حقاً وأولئك الذين يتخذونه وسيلة منفعية ويؤدونه "كل شيء كان". إذاً، إن لم أستشعر هذه الرغبة الصادقة وأُتْبِعها بمجهود صادق، لن أتألق وأرتقى في هذا المجال، وأنا هنا لا أتحدث عن الترقي الوظيفي، وإنما عن الارتقاء الحقيقي في مجتمع الباحثين والذي يقوم على بناء سمعة بحثية جادة ومشهود لها.
أنا أحب مجال الكمبيوتر، وأحب أن أتابع الجديد فيه، وأود لو أني أسهم في شيء من هذا الجديد، فهل كل هذا الجدال العقلي مجرد واجهة تخفي عجزي عن التعامل مع مشاكل أعمق لا علاقة لها بطبيعة العمل نفسه؟ لم أصل لهذه المرحلة بعد من التحليل النفسي، ولا أعرف بعدُ إن كنت أدفن رأسي في الرمل كما فعل "تشاندلر" ولا أريد أن أرى أن هذا العمل هو بالفعل الأفضل لي، وأنه كلما توقفت عن الرفس والشكوى ونظرت لحقيقة الأمور كلما كان ذلك أفضل للجميع. لقد جربت أن أجيب على اختبارين لتحديد مجال العمل، تماماً مثلما فعل تشاندلر، وكانت الإجابات كالتالي:


صحفي (لا)، محرر (ربما)، مدرس، مخطط استراتيجي (يبدو هذا مبهراً وغامضاً وغير ذي جدوى في الأغلب)، استشاري (نعم؛ أحب جداً أن أسدي نصائح لا أعمل بها..)، ممثل (ليت هذا كان ممكناً)، أي عمل في التسويق أو الاتصالات (لا)، أو عمل في البحث والتطوير!



فنان (سبق التعبير عن انطباعي)، مؤرخ (ليت هذا كان ممكنا، لكان أمراً رائعا..)، موظف بنكي (لا بالطبع)، قاص (لست جيدة في نظم الحبكات)، أستاذ جامعي، مصور (نعم)، طبيب بيطري (طبيب قطط ربما؟)، كاتب قانوني (لا بأس بهذا أبداً)، مصمم رسوم (ربما)، مطور محتوى إلكتروني (نعم ولم لا؟)، مطور ويب (لا)، منتج (من أين المال؟ إلا إن كان إنتاجا تنفيذيا)، مدير (نعم، أنا برج الأسد في النهاية..)، اخصائي تغذية (سأصف الشوكولاتة والبيتزا والمعكرونة لكل الناس. لا أظن)، في مجال الإعلانات (يحتاج لإبداع لا أظنني أمتلكه)، في مجال التمريض (سأبكي كثيرا وأقرف كثيرا. إنهم ملائكة حقاً من يقومون بهذا العمل).

يبدو أنه لا مفر في الأمد القريب، على الأقل حتى أعرف حقاً ما أريد وأخشوشن استعداداً لمواجهة عاصفة الانتقاد المجتمعي. لا بد أن أواجه قدري، وأتعلم كيف أحقق الامتياز في عملي.

Template by:
Free Blog Templates